مال واقتصاد

الأسواق العالمية تسقط في فخ التماهي مع «فوضى» ترامب

في ظل الظروف التي تعيشها حالياً منطقة الشرق الأوسط، بل والعالم كله، تفرض الكثير من التساؤلات نفسها على كل الصعد، لتلقى الكثير من الإجابات، بعضها يقره التفسير العلمي والتحليل المنطقي للأمور والوقائع، والبعض الآخر يدفعه التمني.

وعلى الصعيد الاقتصادي، ربما لم تنشغل الأسواق، كما تنشغل اليوم، بالتحليلات والتوقعات عن مصير ومستقبل العملات والأصول والملاذات والأدوات وكل المكونات الاقتصادية، التي تعاني تحت وطأة الأوضاع الجيوسياسية المعقدة، لكن السؤال الأهم الذي لم يُطرح حتى الآن، هو أنه إذا انتهت الحرب الحالية واستقرت الأوضاع، من يضمن ألا يشعلها حاكم البيت الأبيض مرة أخرى، أو يشعل حرباً غيرها في مكان آخر لأهداف أخرى؟

تاريخ مواقف ترامب وتصريحاته يؤكد أنه بلا استراتيجية أو أجندة ويجب ألا تستند إليها الأسواق أو تثق بها

فمنذ تولي دونالد ترامب رئاسة البيت الأبيض لفترته الثانية كرئيس للبلاد في 20 يناير 2025، بدأت الأسواق، بشكل أو بآخر، تتفاعل مع معاركه على كل الجبهات، الداخلية منها، كمعركته مع رئيس الاحتياطي الفدرالي المنتهية ولايته في مايو المقبل، جيروم باول، والخارجية، والتي بدأت بالرسوم الجمركية التي فرضها على معظم دول العالم، ومروراً بحرب الـ 12 يوماً مع إيران، ثم تصاعدت حدتها مع اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وأخيراً، وليس آخراً، الحرب الثانية مع إيران، المستعرة حالياً.

لكن ما تمت ملاحظته أن الكثير من الأصول بدأت تتماهى مع الأحداث الجيوسياسية التي افتعلها ترامب بشكل أقل حدة، في وقت أصبح المستثمرون يتفاعلون مع المخاطر السياسية القائمة ضمن حساباتهم، عوضاً عن التفاعل مع الأحداث أو التصريحات الفورية أو حتى التوقعات المستقبلية وتأثيرها على الأسواق، كمرتكز من مرتكزات التحليل الأساسي. 

ومع تحول السلوك السوقي نحو الحذر المنهجي، واعتماده على الحقائق الاقتصادية القائمة منذ بداية 2025، بات واضحاً أن الأسواق بدأت في الارتكاز على المخاطر الجيوسياسية كمعطيات ثابتة عوضاً عن الارتكاز على التحليل الأساسي النمطي، أو حتى «الفني»، طالما يقيم ترامب في البيت الأبيض. 

ففيما يتعلق بالنفط على سبيل المثال، حدث أن خالف مرتكزات التحليل الأساسي عدة مرات في عام واحد على وقع أكثر من حدث أساسي، إذ شملت نتائج البحث في محركات الإنترنت أكثر من 37 ألف نتيجة بحث عن مخالفته للتوقعات النمطية، بينما شملت النتائج أكثر من 58 ألف نتيجة بحث عن مخالفة الذهب لتلك التوقعات، ذلك ما يؤكد الطرح الخاص بتماهي الأصول مع الأحداث الجيوسياسية بشكل أقل حدة من ذي قبل.

أصول توقفت عن التأثر بالتوترات السياسية كمرتكز للتحليل الأساسي ومستثمرون دمجوا المخاطر ضمن حساباتهم

لم يتعلق الأمر، فقط، بتفاعل الأسواق بشكل مخالف مع التطورات الجارية، بل درجت عادة ترامب على إطلاق تصريحات عدة في اتجاهات متناقضة بشكل صارخ في أوقات متقاربة، ما يشير إلى أن الرجل لا يعمل وفق استراتيجية محددة أو أجندة موضوعة على كل الصعد، فمن الممكن أن يقرر إنهاء معركة ما، بينما في الصباح يقرر التصعيد، في حين بدت بعض تصريحاته لوغارتمية لا تشير إلى مواقف واتجاهات محددة، كما يحدث تماماً في الحرب الدائرة الآن، ذلك ما لم يستطع الكثير من المستثمرين استيعابه والتماهي معه، أو حتى وضعه في الاعتبار، فمنذ ساعات صرح ترامب لـ CBS بأن الحرب مع إيران، التي دخلت أسبوعها الثاني، انتهت إلى حد كبير، وهو ما اعتبرته الأسواق تلميحات بانتهاء الحرب لتتنفس الصعداء وتعكس اتجاهاتها، فاندفعت أسعار النفط للهبوط الحاد بأكثر من%10 دون 90 دولاراً للبرميل، بينما تقلصت الضغوط التي كبحت الذهب أخيراً، ليصعد بما يصل إلى%0.9 متجاوزاً 5180 دولاراً للأونصة، ويبدد خسائر الجلسة السابقة عليها، بينما حركت شهية المخاطرة عالمياً، مما انعكس على أسواق الائتمان في آسيا بانخفاض كلفة التحوط من المخاطر، إلا أن نفس تلك الأصول والأسواق لم تأخذ في اعتبارها أن نفس الرجل قال بعدها بساعتين فقط في كلمة متلفزة إن الحرب ضد إيران مستمرة، ولن تتوقف قبل تكبيدها هزيمة كاملة، وهو التناقض الذي ليس بالجديد عليه، فعلى ماذا راهنت تلك الأسواق؟!

السلوك السوقي يتحول نحو الحذر المنهجي والارتكاز على المخاطر الجيوسياسية كمعطيات ثابتة

لا خلاف أن الكثير يربح من هذا الوضع، لكن الأكيد أنه لا أحد يريد استمرار الحرب، تحديداً من هم في دائرة الصراع، ذلك يهدد الكثير من مصالحهم واستثماراتهم، لكن تاريخ ترامب وما يحدثه من فوضى دائمة منذ إقامته في البيت الأبيض يحتم عدم المراهنة على أي من مواقفه أو تصريحاته أو قراراته، فلا ضمانة لأن الرجل سيغير قراراته في الصباح، ويجب ألا تثق الأسواق بتصريحاته ومواقفه الحالية، طالما ظل على رأس السلطة، وأن الضمانة الوحيدة لاستقرار الأسواق، والعالم كله، هو مغادرته البيت الأبيض، وإلا فعليها الإجابة عن السؤال المطروح مقدمة التقرير، وهو أنه إذا انتهت الحرب الحالية واستقرت الأوضاع، من يضمن ألا يشعلها حاكم البيت الأبيض مرة أخرى، أو يشعل حرباً غيرها في مكان آخر لأهداف أخرى؟ أما إذا تعثر فعلى الأقل إيجاد تفسير لأحدث تصريحاته: «كان لا بد من القيام بما نقوم به، ونحن نقترب للغاية من الانتهاء منه»!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى