مراجعة كتاب: «النمط المظلم»… الديناميكيات الخفية لفضائح الشركات

في كتالب «النمط المظلم» يقدِّم جيدو بالازو وأولريس هوفراج، الأستاذان في جامعة لوزان؛ بالازو في أخلاقيات الأعمال، وهوفراج في علم النفس- تحقيقاً قوياً وموثقاً، يُبينان فيه كيفية انهيار كبريات الشركات والمؤسسات والشركات التجارية المحترمة، بسبب ممارسات إدارييها غير الأخلاقية. رسالته واضحة ومقلقة، إذ يؤكدان أنه يمكن لأفراد طيبين اتخاذ قرارات ضارة وحتى مدمرة، وباعتقادهم أنهم على صواب في اتخاذها.
فيدحض المؤلفان الاعتقاد الشائع بأن الفضائح هي دائماً نتاج أفرادٍ فاسدين، بسبب الجشع والاحتيال والأحقاد. يقولان إن هناك حالة أخرى من الفساد يُطلقان عليها «العمى الأخلاقي»، وهي حالة نفسية يتلاشى فيها إدراك الأبعاد الأخلاقية لدى الأفراد- غالباً من دون وعي- بسبب الضغوط الإعلامية والتنظيمية المشوهة من حولهم، أي أنه بسياق هذه الأوضاع يطغى عندهم التصور المشوه، ويُصبح أقوى من العقل، وأقوى من القيم، وأقوى من النوايا الفاضلة.
«العمى الأخلاقي» وسقوط الأخلاق
لا ينشأ العمى الأخلاقي لأن الناس يتركون قيمهم، بل لأنهم يفقدون القدرة على رؤية أفعالهم بمنظار أخلاقي.
يُعد إطار التفكير أمراً حاسماً: ما قد يبدو غير أخلاقي لشخصٍ خارجي، قد يبدو عقلانياً أو حتى شريفاً من داخل النظام.
فضيحة مصرف ويلز فارغو، حيث تورَّط أكثر من 100.000 موظف في فتح حسابات وهمية لتحقيق أهداف مبيعات تعجيزية، وافتقاد مجلس الإدارة للتصرُّف في الوقت المناسب، تؤكد مدى التشوُّه الجماعي في الوعي الأخلاقي.
يعتمد المؤلفان على تحليل المؤرخة هانة آرندت لقضية أدولف أيخمان في محاكمات نورنبيرغ، فقد رأت فيه موظفاً بيروقراطياً يبرر أفعاله بكلمة الواجب، ليس بوحشية واضحة، بل بأدائه العادي للواجب، ما أثر في آرندت لم يكن شر أيخمان، بل طبيعته العادية، أو ما أطلقت عليه «تفاهة الشر» –(The Banality of Evil).
ويطبقان هذا المفهوم على حياة الشركات الحديثة، موضحين كيف يمكن لضغوط النظام، أو الأيديولوجيا، أو مؤشرات الأداء، أن تحوِّل المحترفين العاديين إلى أدوات ضرر- من دون نوايا شريرة.
تشريح انهيار الأخلاق: اللبنات التسع للنمط المظلم
يركِّز الكتاب على مفهوم «النمط المظلم»، وهو مجموعة من تسعة عناصر سياقية مترابطة تؤدي معاً إلى انهيار أخلاقي وقانوني، وقد تبدو كل لبنة محايدة بحد ذاتها، لكنها تبني سياقاً مشوَّهاً عندما تتضافر.
الأيديولوجيا الجامدة: معتقدات مسلَّمة، مثل «مهمة الشركات هي تعظيم الأرباح»، تضيِّق نطاق اتخاذ القرار، وتقمع الحوار الأخلاقي.
القيادة السامة: القادة ممن يحملون سمات النرجسية أو الماكيافيلية أو السيكوباتية يرسِّخون الخوف والتبعية.
اللغة الاستغلالية: مصطلحات وتعبيرات تجميلية أو حربية تُهمل الضرر، وتضلل المعنى.
الأهداف المفسِدة: أهداف غير واقعية تؤدي إلى تركيزٍ ضيق، واختزال المعنى، مما يدفع الموظفين للتلاعب أو التجاوزات.
الحوافز المدمَرة: أنظمة مكافآت تنافسية مفرطة تقلل من التعاطف مع الآخر، وتعزز الشعور بالاستحقاق.
القواعد غير الواضحة: رسائل مختلطة، وتوجيهات ضبابية تخلق مناطق رمادية تُبرَّر فيها الانتهاكات.
الإحساس بالظلم: الشعور بعدم الإنصاف قد يبرر أفعالاً انتقامية يُنظر إليها كاستعادة عدالة.
المجموعات الخطرة: التفكير الجماعي، الضغط نحو التماثل، وإقصاء المخالفين، تؤدي إلى تصوُّر جماعي مشوّه للواقع.
المسار الزلق: تجاوزات أولية مقبولة تتحوَّل تدريجياً إلى سلوكيات استغلالية من دون إدراك تام.
وتدعم هذه العناصر دراسات لحالات انهيار شركات مهمة، مثل:
Volkswagen, Boeing, Uber, Theranos, France Telecom, Wells Fargo.
وتبيِّن هذه الدراسات كيف تتفاعل الضغوط النفسية والتنظيمية بكل أبعادها، ويقع في شركها الموظفون والإداريون، على حدٍّ سواء.
من الظلام إلى النور: «النمط المضيء»
وللخروج من هذه الدوامة، لا يترك الكتاب القارئ في حالة يأس في فصوله النهائية، يقدِّم «النمط المضيء» مجموعة من الإجراءات المضادة لكل من اللبنات التسع، كخطة لمنع انهيار الأخلاق
يقترح المؤلفان خطوات عملية، مثل: تفكيك الأيديولوجيا الجامدة، وتشجيع القيادة الأخلاقية، وتوضيح القواعد التنظيمية، وتحفيز المعارضة البنَّاءة، وتصميم حوافز عادلة، وإنشاء بيئات آمنة للنقاش.
رسالتهما: يمكن تفادي العمى الأخلاقي، لكن ذلك يتطلَّب تصميم المؤسسات، بحيث يكون الوعي الأخلاقي جزءاً من بنيتها الأساسية.
الخاتمة
النمط المظلم: الديناميكيات الخفية للفضائح المؤسسية عمل ضروري وقوي لفهم كيف تنحدر المؤسسات العريقة والمجتمع المهني نحو الانهيار الأخلاقي.
لقد نجح المؤلفان في ربط النفس، والأخلاق، وتحليل ميداني ثري لتشريح انهيار القيم، لكن الأهم من ذلك، أنهما لا يكتفيان بالتشخيص، بل يقدّمان «النمط المضيء» كخطة عملية للتغيير الإيجابي للأفراد الذين يتحمَّلون مسؤولية بناء المنظمات أو الإشراف على الامتثال.
هذا الكتاب ليس مجرَّد تقرير عن انهيار، بل دعوة لإعادة بناء الثقة والوضع الأخلاقي من الداخل في عصر تتجدَّد الفضائح المؤسسية بانتظام.
يقدم «النمط المظلم» دليلاً نادراً على التشخيص العميق والشفاء الممكن لمنظومات الأعمال الحديثة.