سياسة

استراتيجية الأفول المُدار

يرى الكاتب أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لم تعد تهدف إلى تحقيق انتصارات نهائية أو إسقاط الخصوم بصورة كاملة، بل إلى إدارة الصراعات بحيث تبقى مستمرة ضمن مستوى يمكن السيطرة عليه. ويطلق على هذا النهج اسم “الأفول المُدار”، أي محاولة الولايات المتحدة تأخير تراجع هيمنتها العالمية عبر استثمار الأزمات بدلاً من إنهائها.

ويستشهد بحالة إيران بوصفها النموذج الأبرز، إذ يرى أن واشنطن لا ترغب في تدمير إيران بالكامل ولا في السماح لها بأن تصبح قوة نووية، وإنما في إبقاء التوتر عند مستوى يحقق عدة أهداف: استنزاف إيران، وإبقاء دول الخليج بحاجة إلى المظلة الأمنية الأمريكية، وإرباك الصين وأوروبا في ملف الطاقة، وتحقيق مكاسب اقتصادية من صادرات السلاح والطاقة.

كما يفسر زيارة نتنياهو إلى واشنطن ضمن هذا الإطار، معتبراً أن الولايات المتحدة قد تدعم إسرائيل في عمليات الاستنزاف دون السماح بحرب شاملة قد تخرج عن السيطرة.

ويخلص الكاتب إلى أن هذه الاستراتيجية قد تنجح مؤقتاً، لكنها قد تنقلب على أصحابها، لأن استمرار الفوضى يدفع روسيا والصين إلى تعزيز تحالفاتهما وبناء نظام دولي بديل، مما قد يسرّع تراجع النفوذ الأمريكي بدلاً من تأخيره.

استراتيجية الأفول المُدار

بقلم: د. فيصل الحمد

كيف تُوظف واشنطن “الفوضى الخلاقة” لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وتأخير تراجعها العالمي

مقدمة: ما بعد “الفوضى الخلاقة”

لطالما وُصفت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بالتخبط. لكن نظرة فاحصة على العقدين الماضيين تكشف عن نمط أكثر منهجية. منذ أن صرحت كوندوليزا رايس، وزيرة خارجية الرئيس جورج بوش الابن، بأن ما يحدث في لبنان عام 2006 هو “آلام مخاض شرق أوسط جديد” [1]، تكرس مفهوم “الفوضى الخلاقة” كإطار تحليلي. تتجاوز هذه الورقة ذلك المفهوم، لتطرح نظرية “الأفول المُدار” (Managed Decline). تقرر هذه النظرية بأن واشنطن، في عالم آخذ في التعددية القطبية، لم تعد تسعى لتحقيق “النصر” الحاسم، بل تُدير أزمات مزمنة (خاصة مع إيران) لتحقيق ثلاثة أهداف: إضعاف المنافسين الاستراتيجيين (الصين، روسيا، أوروبا)، ترسيخ تبعية الحلفاء، والاستفادة الاقتصادية من الفوضى، كل ذلك لتأخير أفولها كقوة مهيمنة.

1. الإطار النظري: من “الهندسة” إلى “الاستغلال”

يرى المحلل في معهد واشنطن، روبرت ساتلوف، أن إدارة بوش كانت أول من رأت في “الاستقرار” بحد ذاته عائقاً أمام المصالح الأمريكية، متبنية سياسة “عدم استقرار خلاق” [2]. هذه الرؤية تطورت لاحقاً. يجادل الواقعي الهجومي جون ميرشايمر بأن القوى العظمى تسعى للهيمنة، لكنها عندما تعجز عنها، تلجأ لسياسات “موازنة” تمنع صعود منافس [3]. تجمع نظرية “الأفول المُدار” بين الرؤيتين: الفوضى ليست دائماً مُصممة بدقة، بل هي غالباً نتيجة تخبط يتم استغلاله ببراعة. فانسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، الذي فجّر الأزمة الحالية، لم يكن بالضرورة مخططاً لإرهاق الصين، لكن واشنطن استغلته لاحقاً لبيع الغاز المسال لأوروبا بأسعار فلكية وإضعاف المنافسين الاقتصاديين عبر أزمة طاقة مستدامة.

2. الشرق الأوسط كمختبر: الحالة الإيرانية

في الشرق الأوسط، تتجسد الاستراتيجية في حالة “اللا حرب واللا سلم” مع إيران. العقيدة الأمنية الإسرائيلية، المعروفة بـ “الحملة بين الحروب” (The Campaign Between Wars)، والتي أسسها غادي أيزنكوت، تقوم على “إضعاف الخصم بشكل مستمر دون عبور عتبة الحرب” [4]. واشنطن تتبنى هذا المبدأ على نطاق أوسع لتحقيق الأهداف التالية:

• إضعاف إيران دون تدميرها: إيران النووية هي تهديد وجودي، لكن إيران المنهارة قد تحرر العالم من الحاجة للضمانة الأمنية الأمريكية. الحل هو إدارة تهديدها بجرعات.

• تقييد الحلفاء والخصوم: استمرار التوتر يُبقي مضيق هرمز ممراً مهدداً، مما يُعطل شريان الطاقة الصيني ويُبقي أوروبا في أزمة طاقة، بينما تستفيد أمريكا كمُصدرة للطاقة.

•  مبيعات أسلحة قياسية لدول الخليج: بلغت قيمتها مع السعودية وحدها عشرات المليارات [5]، مما يعزز التبعية الأمنية ويُدخل “الدمار الخلاق” على اقتصادات المنافسين، كما أشارت تحليلات عربية للمصطلح [6].

3. زيارة نتنياهو 2026: اختبار للنظرية

تأتي زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلى واشنطن في يوليو 2026 كمثال حي. إسرائيل، التي تشعر بأنها على شفا نصر استراتيجي بعد حربين مع إيران، تسعى للحصول على الضوء الأخضر لتوجيه “الضربة القاضية”. لكن الرد الأمريكي المتوقع سيكشف ديناميكية “الأفول المُدار”: منح إسرائيل ما يكفي من الدعم لمواصلة الاستنزاف (ضربات جوية، عمليات استخباراتية)، ولكن ليس ما يكفي لإشعال حرب شاملة تخرج عن السيطرة. المحللون الروس في معهد INSS يرون أن أمريكا تعمل الآن بمنطق “النصر الحاسم” الذي لا يترك مجالاً للمساومة [7]، ولكن على المستوى التكتيكي فقط، بينما تبقى استراتيجيتها الكبرى هي الإطالة والاستنزاف.

4. ديناميكية القوى الكبرى: من المستفيد الحقيقي؟

هنا يكمن التناقض الذي قد يُفشل الاستراتيجية. تفترض نظرية “الأفول المُدار” أن أمريكا تستطيع ضبط إيقاع الفوضى. لكن تحليلاً في Small Wars Journal يجادل بأن كلا سيناريوهين النصر والفشل الأمريكي في صراع مع إيران يضران بمصالحها، بينما “تربح روسيا والصين في كلا السيناريوهين” [8]. فالفوضى تُسرّع من بناء تحالفات بديلة (كتعمق التعاون الروسي-الصيني)، وتمنح الصين دور “المنقذ الاقتصادي” لدول منهكة. هنا، تتحول استراتيجية “تأخير الأفول” إلى “تسريع للانهيار”.

خاتمة: إدارة الانهيار لا إيقافه

السياسة الأمريكية تجاه إيران ليست فشلاً عشوائياً، بل هي استراتيجية متماسكة لإدارة تراجع الهيمنة الأمريكية في عالم متعدد الأقطاب. إنها محاولة لإبقاء أمريكا “الأولى بين أنداد” عبر إشغال الخصوم وإضعافهم وإرهاقهم، وإبقاء الحلفاء في حالة تبعية. ومع ذلك، فإن تجاهل حقيقة أن هذه الفوضى تخلق عالماً بديلاً بسرعة هو نقطة الضعف القاتلة في هذه الاستراتيجية. ما تصفه واشنطن بـ “الهندسة” قد لا يكون سوى محاولة يائسة للتحكم في انهيار تاريخي، يدفع ثمنه استقرار العالم.

المراجع:

1. رايس، ك. (2006).

2. ساتلوف، ر. (2003)

3. ميرشايمر، ج. (2001). مأساة سياسة القوى العظمى (The Tragedy of Great Power Politics). دار نشر دبليو. دبليو. نورتون وشركاه.

4. أيزنكوت، غ. وسيبوتني، غ. (2019). الحملة بين الحروب: كيف خاضت إسرائيل حرباً سرية طويلة (The Campaign Between Wars: How Israel Rethought its Strategy of Protracted Warfare). معهد واشنطن.

5. وزارة الخارجية الأمريكية. (2024-2025). بيانات صحفية عن الموافقات على مبيعات أسلحة رئيسية لدول الخليج (السعودية، الإمارات). [موقع وزارة الخارجية الأمريكية].

6. مجلة السياسة الدولية (المصرية). (2018). الفوضى الخلاقة.. أبعاد نظرية سياسية واستراتيجية أمريكية في الشرق الأوسط. مؤسسة الأهرام. [العدد 214، أكتوبر 2018].

7. معهد دراسات الأمن القومي (INSS). (2023). تحليل روسي للموقف الاستراتيجي الأمريكي بعد حرب غزة/إيران. [موقع INSS الإسرائيلي].

8. سمول وورز جورنال (Small Wars Journal). (2024). التحليل النقدي للحرب الإيرانية: لماذا يربح خصوم أمريكا في كل السيناريوهات. [موقع المجلة].”

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى