مقالات وبحوث

إلى أين نسير؟ وهل آن الأوان لمصالحة خليجية وإقليمية كبرى؟

بقلم: رئيس التحرير 

عندما يدخل المستثمر على خط السياسة
أثار التقرير الذي نشرته وكالة بلومبيرغ حول استعداد عدد من البنوك والصناديق الاستثمارية العالمية لاحتمال تفاقم الخلاف بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة كثيراً من القلق والتساؤلات.

فحين تبدأ مؤسسات كبرى مثل غولدمان ساكس ومورغان ستانلي وبلاك روك وغيرها في مراجعة عقودها، وتوزيع موظفيها، وترتيباتها القانونية واللوجستية، فإن الأمر لم يعد مجرد حديث سياسي عابر، بل أصبح عاملاً يدخل في حسابات الاستثمار وإدارة المخاطر.

ومن المهم التأكيد على أن التقرير يبني جانباً من استنتاجاته على تقديرات وسيناريوهات مستخلصة من مقابلات مع مصرفيين وتنفيذيين وخبراء، غير أن الدلالة الأبرز لا تكمن في تفاصيل تلك السيناريوهات بقدر ما تكمن في حقيقة أن المؤسسات المالية العالمية أصبحت تنظر إلى مسار العلاقات الخليجية بوصفه عاملاً مؤثراً في قراراتها الاستثمارية وإدارة مخاطرها.

فالأسواق لا تنتظر وقوع الأزمات حتى تتحرك، بل تستعد لها قبل حدوثها.

والمستثمر العالمي لا يسأل فقط عن حجم الاقتصاد، أو الأرباح المتوقعة، أو المشروعات الكبرى، بل يسأل أيضاً عن استقرار البيئة السياسية، ووضوح القوانين، وسهولة حركة الأموال، واستمرار العلاقات بين الدول التي يعمل فيها.

وهنا تكمن خطورة الرسالة.

فالسعودية والإمارات ليستا دولتين عاديتين في الاقتصاد الخليجي، بل تمثلان معاً مركزين رئيسيين للاستثمار والطاقة والتجارة والخدمات المالية، وتدير صناديقهما السيادية أصولاً ضخمة، وترتبط بهما مصالح آلاف الشركات العالمية.

ولذلك فإن أي تباعد بينهما لا يمكن أن يبقى محصوراً في حدود السياسة، بل قد يمتد أثره إلى الأسواق والاستثمارات وسلاسل الإمداد والنقل والطاقة وثقة المستثمرين في المنطقة كلها.

ومن هنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي تجاهله: إلى أين نسير؟

كيف يفكر المستثمر العالمي؟
لا ينظر المستثمر العالمي إلى الأحداث بالطريقة التي ينظر بها السياسي أو الإعلامي. فالمؤسسات المالية الكبرى لا تبني قراراتها على ردود الأفعال أو الانطباعات، بل على إدارة المخاطر، ولذلك فهي تراقب باستمرار كل ما يمكن أن يؤثر في استثماراتها، حتى وإن كان مجرد احتمال لم يتحول بعد إلى واقع.

ولهذا السبب تمتلك البنوك العالمية وصناديق الاستثمار وشركات التأمين فرقاً متخصصة في تحليل المخاطر السياسية والاقتصادية والجيوسياسية، فهذه المؤسسات لا تنتظر وقوع الأزمة، بل تضع منذ البداية خططاً بديلة للتعامل مع مختلف السيناريوهات، لأن تكلفة الاستعداد أقل بكثير من تكلفة المفاجأة.

فعندما تستثمر شركة مليارات الدولارات في منطقة ما، أو تنشئ مقراً إقليمياً، أو تدير أصولاً لصناديق سيادية، فإنها لا تنظر إلى حجم السوق فقط، بل تدرس أيضاً طبيعة العلاقات بين الدول، واستقرار الأنظمة الاقتصادية، وسهولة انتقال الأموال والأفراد، واستمرارية سلاسل الإمداد، ومدى إمكانية استمرار أعمالها في مختلف الظروف.

ولهذا فإن مجرد دخول العلاقات الخليجية ضمن تقارير تقييم المخاطر العالمية يعد مؤشراً يستحق الانتباه، حتى وإن لم تتحول تلك السيناريوهات إلى واقع، فالمستثمر لا يقول إن الأزمة وقعت، وإنما يسأل سؤالاً بسيطاً: ماذا لو وقعت؟ ثم يبدأ في إعداد البدائل التي تضمن استمرار أعماله بأقل الخسائر الممكنة.

وهنا تتضح طبيعة التفكير الاقتصادي العالمي، فبينما تنشغل الحكومات أحياناً بإدارة الحاضر، تنشغل الأسواق بإدارة المستقبل، وبينما ينظر السياسي إلى ما يحدث اليوم، ينظر المستثمر إلى ما قد يحدث بعد عام أو خمسة أعوام أو حتى عشرة أعوام، لأن قرارات الاستثمار الكبرى لا تُبنى على الأشهر المقبلة، بل على استقرار يمتد لعقود.

ومن هنا يمكن فهم سبب اهتمام المؤسسات المالية الكبرى بأي مؤشرات قد تمس العلاقات بين السعودية والإمارات، أو بين أي دولتين تمثلان ثقلاً اقتصادياً في المنطقة. فهذه المؤسسات لا تخشى المنافسة الاقتصادية، بل تعتبرها أمراً طبيعياً وصحياً، لكنها تتحسب لأي تطورات قد تؤثر في انسياب التجارة، أو حركة رؤوس الأموال، أو انتقال الموظفين، أو تنفيذ العقود، أو ثقة الأسواق.

إن رأس المال بطبيعته يبحث عن البيئة الأكثر استقراراً قبل أن يبحث عن البيئة الأعلى ربحاً، وقد يقبل المستثمر بعائد أقل إذا كان مطمئناً إلى استقرار القوانين والعلاقات السياسية، لكنه يتردد كثيراً أمام بيئة ترتفع فيها درجة عدم اليقين، لأن الخسائر الناتجة عن الاضطرابات قد تفوق أي أرباح متوقعة.

ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن نستوعبها ليست أن المستثمرين يتوقعون أزمة، وإنما أن الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي أصبح جزءاً من القدرة التنافسية للدول، فكلما ازدادت الثقة، تدفقت الاستثمارات، وكلما اتسعت دائرة الشكوك، ارتفعت تكلفة الاستثمار، حتى وإن بقيت المؤشرات الاقتصادية قوية.

كلفة الخلاف لن يتحملها طرف واحد، بل يدفعها الجميع
إذا اتسعت الخلافات بين أي دولتين ترتبطان بعلاقات اقتصادية عميقة، فإن الخسارة لا تقف عند حدود السياسة، بل تمتد تلقائياً إلى الاقتصاد، حتى وإن لم تصدر قرارات رسمية أو إجراءات مباشرة، فالاقتصاد الحديث يقوم على الترابط، وليس على العزلة، وعلى الثقة المتبادلة أكثر من اعتماده على الحدود الجغرافية.

لقد تغير الخليج كثيراً خلال العقدين الماضيين، فلم تعد كل دولة تعمل بمعزل عن الأخرى، بل أصبحت اقتصادات دول مجلس التعاون شبكة مترابطة من الاستثمارات والموانئ والمطارات والطرق البرية والمناطق اللوجستية والطاقة والخدمات المالية، وهذا التكامل هو أحد أهم أسباب نجاح المنطقة في جذب الشركات العالمية وتحويلها إلى مركز اقتصادي ينافس أكبر المراكز الدولية.

فالشركات العالمية التي اختارت الخليج مقراً لأعمالها لم تفعل ذلك لأنها تنظر إلى كل دولة منفردة، بل لأنها رأت في الخليج سوقاً متكاملاً يمكن أن تنطلق منه إلى المنطقة والعالم، ولذلك فإن أي خلل يصيب هذا التكامل ينعكس بصورة مباشرة على حركة الاستثمار، وتكلفة التشغيل، وسرعة اتخاذ القرار، وثقة الأسواق.

كما أن سلاسل الإمداد أصبحت اليوم أكثر حساسية من أي وقت مضى، فبعد الاضطرابات التي شهدتها الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز خلال السنوات الأخيرة، ازدادت أهمية الطرق البرية التي تربط دول الخليج ببعضها، وأصبحت حركة الشاحنات والسلع والغذاء والدواء تعتمد بصورة أكبر على هذا الترابط، وهذا يعني أن أي تعقيد في حركة النقل أو التجارة، مهما كان محدوداً، ستكون له انعكاسات اقتصادية تتجاوز حدود دولة واحدة.

ولا يقتصر الأمر على التجارة فقط، بل يمتد إلى قطاع الطاقة أيضاً، فالخليج ما زال يمثل القلب النابض لأسواق النفط والغاز العالمية، وأي تغير في مستوى التنسيق بين كبار المنتجين ينعكس على الأسواق الدولية، وعلى أسعار الطاقة، وعلى قرارات المستثمرين، بل وحتى على معدلات التضخم والنمو في كثير من دول العالم.

أما الاستثمارات الخليجية المشتركة، فقد أصبحت جزءاً أساسياً من الاقتصاد الإقليمي، فالصناديق السيادية، والبنوك، والشركات الكبرى، والمستثمرون من القطاع الخاص، يمتلكون استثمارات متبادلة بمليارات الدولارات، ويشاركون في مشروعات تمتد آثارها إلى قطاعات الصناعة والعقار والتقنية والسياحة والنقل والخدمات، ولذلك فإن أي تراجع في مستوى الثقة قد يدفع بعض رؤوس الأموال إلى التريث أو إعادة تقييم خططها المستقبلية، وهو ما قد يؤخر فرصاً تنموية يحتاج إليها الجميع.

والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا هي أن المنافسين الاقتصاديين لدول الخليج لا يقعون داخل المنطقة، بل خارجها، فالعالم يشهد سباقاً محموماً بين المراكز المالية والاقتصادية الكبرى لاستقطاب الاستثمارات الدولية، وأي تراجع في مستوى التكامل الخليجي يمنح تلك المراكز ميزة إضافية كان الخليج في غنى عن تقديمها.

إن كلفة أي اضطراب لن يتحملها طرف واحد، بل ستكون كلفة جماعية، فالاقتصادات الخليجية اليوم متشابكة، والمصالح متداخلة، والتنمية أصبحت مشروعاً مشتركاً أكثر من أي وقت مضى، ولهذا فإن المحافظة على استقرار العلاقات الخليجية لم تعد مجرد خيار سياسي، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واستراتيجية تمس مستقبل المنطقة بأكملها.

المنافسة تصنع النجاح، والخلاف يهدر المكاسب
لكن ينبغي أيضاً ألا نخلط بين المنافسة والخلاف، فالمنافسة الاقتصادية ليست خطراً في حد ذاتها، بل هي إحدى أهم وسائل التقدم والابتكار وتحسين الأداء، وما نشهده اليوم من تنافس بين الدول على جذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وتحسين التشريعات، واستقطاب الشركات العالمية، هو أمر طبيعي وصحي، بل إنه يصب في مصلحة المواطن والمستثمر على حد سواء.

فالرياض وأبوظبي، كما بقية العواصم الخليجية، تمتلك رؤى تنموية طموحة ومشروعات اقتصادية عملاقة، ومن الطبيعي أن تتنافس فيما بينها لتقديم أفضل بيئة للأعمال، وأفضل الخدمات، وأفضل الفرص الاستثمارية، وهذه المنافسة الإيجابية هي التي ترفع كفاءة الأداء، وتدفع الجميع نحو المزيد من التطوير والإبداع.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتجاوز التنافس حدوده الاقتصادية المشروعة، ويتحول إلى استقطاب سياسي أو اقتصادي ينعكس على الأسواق، أو يثير قلق المستثمرين، أو يضعف الثقة المتبادلة بين الأشقاء، فالمنافسة ينبغي أن تكون على من يقدم الأفضل للعالم، لا على حساب استقرار المنطقة أو وحدتها.

إرث القادة في صناعة المصالحات
لقد أثبت التاريخ الخليجي أن الخلافات، مهما بلغت حدتها، كانت تجد طريقها إلى الحل عندما يجلس القادة حول طاولة واحدة، فما عجزت عنه البيانات والتصريحات، نجحت فيه المصارحة، وما عجزت عنه الحسابات السياسية، حققته الحكمة التي عُرفت بها القيادات الخليجية والعربية عبر العقود.

ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يترك الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، رحمه الله، بصمة بارزة في مسيرة المصالحات العربية، حيث آمن بأن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا بالحوار، وأن وحدة الصف العربي تمثل ركناً أساسياً في مواجهة التحديات، ثم جاء الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، رحمه الله، ليواصل هذا النهج، واضعاً المصالحة والتوافق في مقدمة أولويات العمل العربي، ومؤمناً بأن الخلاف مهما طال، فإن نهايته الطبيعية هي الحوار.

وفي الخليج، سيبقى اسم أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، حاضراً في ذاكرة المنطقة بوصفه أحد أبرز صناع الوفاق، حتى استحق عن جدارة لقب “حكيم الخليج”، فقد كرّس سنوات طويلة من العمل الدبلوماسي لتقريب وجهات النظر، وإطفاء بؤر التوتر، والحفاظ على تماسك البيت الخليجي، انطلاقاً من إيمانه بأن ما يجمع شعوب الخليج أكبر من أي خلاف سياسي عابر.

من جهود الحكماء إلى مؤسسة دائمة
لقد ترك الملك فهد، والملك عبدالله، والشيخ صباح الأحمد، رحمهم الله، إرثاً سياسياً ودبلوماسياً كبيراً في رأب الصدع العربي والخليجي، وهو إرث يستحق أن يتحول إلى مشروع مؤسسي دائم، يرسخ ثقافة الحوار، ويعزز المصالحة، ويجعل إدارة الخلافات جزءاً أصيلاً من منظومة العمل الخليجي المشترك.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء المجلس الخليجي للحكماء وتعزيز الاستقرار، أو مركز خليجي للإنذار المبكر وتسوية الخلافات ومنع المنازعات، يعمل تحت مظلة مجلس التعاون، ويضم شخصيات سياسية واقتصادية وقانونية مشهوداً لها بالحكمة والخبرة، تكون مهمته رصد مؤشرات التوتر، وفتح قنوات الحوار، واحتواء الخلافات قبل أن تنتقل من السياسة إلى الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى الأسواق والمجتمعات.

قمة خليجية تعيد بناء الثقة
وفي الوقت نفسه، تبدو الحاجة ملحة إلى عقد قمة خليجية طارئة تستضيفها دولة الكويت بقيادة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله، لتجديد روح التضامن الخليجي، وتعزيز الثقة بين الأشقاء، واستعادة النهج الذي عُرفت به الكويت لعقود طويلة في تقريب وجهات النظر، واستكمال المدرسة الدبلوماسية التي رسخها الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله.

قمة إقليمية لمستقبل الشرق الأوسط لا تحتمل التأجيل
ولعل المرحلة الراهنة تستدعي، دون إبطاء، الدعوة إلى قمة إقليمية كبرى تجمع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب اليمن، والعراق، والأردن، وسوريا، ولبنان، ومصر، وتركيا، وباكستان، لإطلاق حوار استراتيجي شامل يعيد ترتيب أولويات المنطقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التعاون والتنسيق.

فالتحديات التي تواجه الخليج والشرق الأوسط لم تعد تخص دولة بعينها، بل أصبحت تحديات مشتركة ومترابطة، تشمل أمن الخليج والبحر الأحمر، والطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والاستثمار، إلى جانب القضية الفلسطينية وما يجري في غزة، واستقرار اليمن والعراق ولبنان، ومستقبل سوريا وإعادة إعمارها، وإنهاء الصراع في السودان، والعلاقة مع إيران، وما تفرضه هذه الملفات جميعاً من ضرورة إعادة بناء الثقة الإقليمية على أسس الحوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتعزيز المصالح المشتركة.

ولم يعد ممكناً التعامل مع هذه القضايا بصورة منفردة أو متفرقة، لأن أي اضطراب في دولة واحدة قد يمتد أثره سريعاً إلى بقية دول المنطقة، سواء عبر الأمن، أو الاقتصاد، أو الطاقة، أو التجارة، أو الهجرة، أو حركة الملاحة، ومن هنا فإن هذه القمة ينبغي ألا تكون مناسبة بروتوكولية تنتهي ببيان عام، بل بداية لمسار سياسي واقتصادي وأمني دائم، يضع آليات عملية لحل الخلافات، ويؤسس لتعاون إقليمي جديد يعيد الاستقرار إلى الخليج والشرق الأوسط.

إن المنطقة لا ينقصها المال، ولا الموارد، ولا الموقع الجغرافي، ولا الإمكانات البشرية، لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى بيئة مستقرة، ورؤية مشتركة، وإرادة سياسية تجعل الحوار دائماً يسبق الخلاف، والمصلحة المشتركة تعلو على أي حسابات أخرى.

جامعة الدول العربية: إصلاح لا يحتمل التأجيل
ولا يمكن الحديث عن إعادة الاستقرار إلى المنطقة من دون التوقف عند واقع جامعة الدول العربية، التي تراجع دورها كثيراً، وأصبحت في أحيان عديدة بعيدة عن مستوى التحديات التي تواجه العالم العربي، فقد تحولت في نظر كثيرين إلى إطار بروتوكولي يصدر البيانات، أكثر من كونها مؤسسة قادرة على منع الأزمات، أو إدارة الخلافات، أو قيادة المصالحات، أو حماية المصالح العربية المشتركة.

ولهذا فإن المرحلة الراهنة تستدعي إعادة تنظيم جامعة الدول العربية على أسس جديدة، تمنحها أدوات حقيقية للعمل، وتعيد تعريف دورها بما يواكب التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة، وينبغي أن يشمل هذا الإصلاح تطوير آليات اتخاذ القرار، وإنشاء مجلس دائم للوساطة وتسوية النزاعات، ومركز عربي للإنذار المبكر، وأجهزة متخصصة في الأمن الغذائي والطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمار وإعادة الإعمار، مع وضع جداول زمنية واضحة لتنفيذ القرارات ومتابعتها.

كما ينبغي أن تنتقل الجامعة من رد الفعل إلى الفعل، ومن انتظار اندلاع الأزمات إلى التحرك قبل تفاقمها، وأن تصبح منصة حقيقية للمصارحة والتنسيق بين الدول العربية، لا مجرد مكان لاجتماعات موسمية وبيانات ختامية. فالعالم العربي لا يفتقر إلى الإمكانات، لكنه يفتقر إلى مؤسسة جماعية فعالة تجمع إرادته، وتحول قدراته المتفرقة إلى قوة سياسية واقتصادية مؤثرة.

إن إصلاح جامعة الدول العربية ضرورة لابد منها لحماية الأمن العربي، واستعادة الحد الأدنى من العمل المشترك، ومنع القوى الخارجية من ملء الفراغ الذي تركه ضعف التنسيق العربي، وإذا كانت القمم الطارئة قادرة على إطفاء أزمة، فإن جامعة عربية قوية ومجددة هي التي تستطيع منع الأزمات المقبلة قبل أن تبدأ.

من العالم العربي إلى الفضاء الإسلامي، شراكة للمستقبل
ولا يكتمل إصلاح العمل العربي المشترك من دون إعادة النظر كذلك في دور منظمة التعاون الإسلامي، التي تمثل فضاءً أوسع يمتد من ماليزيا وإندونيسيا وباكستان شرقاً، إلى المغرب وموريتانيا والسنغال غرباً، ويضم دولاً تمتلك ثقلاً سكانياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً هائلاً، لكنها لم تنجح حتى اليوم في تحويل هذا الحجم الكبير إلى قوة جماعية مؤثرة في القرارات الدولية.

إن العالمين العربي والإسلامي لا يحتاجان إلى مزيد من الاجتماعات والبيانات، بل إلى منظومة تعاون حقيقية تربط بين الأمن والاقتصاد والطاقة والغذاء والتقنية والتعليم والاستثمار والدفاع عن القضايا المشتركة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تنظيم منظمة التعاون الإسلامي وتطوير آلياتها، وإنشاء مجلس تنفيذي عربي إسلامي دائم داخلها، يضم الدول الأكثر قدرة وتأثيراً، ويتولى إعداد المبادرات، والوساطة في النزاعات، والاستجابة للأزمات، ومتابعة تنفيذ القرارات ضمن جداول زمنية واضحة.

كما يمكن إطلاق سوق اقتصادية عربية إسلامية تدريجية، وصندوق مشترك للاستثمار والتنمية وإعادة الإعمار، ومجلس للأمن الغذائي والدوائي، وآلية للتعاون في الصناعة والتقنية والطاقة والنقل البحري والبري، بحيث تتحول العلاقات بين هذه الدول من روابط تاريخية وعاطفية إلى مصالح عملية متبادلة تعود بالنفع على شعوبها.

فمن غير المقبول أن تمتلك الدول العربية والإسلامية هذا الامتداد الجغرافي، وهذه الموارد الهائلة، والأسواق التي تضم مئات الملايين من البشر، ثم تبقى قدراتها متفرقة وقراراتها محدودة التأثير.
إن المطلوب ليس بناء محور في مواجهة أحد، بل إنشاء فضاء للتعاون والسلام والتنمية، يحفظ استقلال دوله، ويدافع عن مصالحها، ويمنحها وزناً يوازي إمكاناتها الحقيقية في النظام العالمي.

إن الخلافات بين الدول أمر طبيعي، لكن الخطر يبدأ عندما تغيب الآليات القادرة على احتوائها، وتُترك آثارها لتنتقل من السياسة إلى الاقتصاد والأمن والاستقرار، فالاختلاف بين الدول أمر طبيعي، لكن نجاح الدول يقاس بقدرتها على إدارة اختلافاتها بالحكمة والحوار والمؤسسات، لا بتركها تتسع حتى تتحول إلى أزمات تؤثر في الاقتصاد والأمن والاستقرار.

لقد استطاعت دول الخليج، خلال العقود الماضية، أن تبني واحدة من أكثر التجارب التنموية نجاحاً في العالم، وأن تتحول إلى مركز عالمي للطاقة والاستثمار والخدمات اللوجستية والمالية، وأن تكسب ثقة الأسواق الدولية بفضل الاستقرار السياسي والرؤية الاقتصادية الطموحة، وهذه المكتسبات لم تأتِ بسهولة، بل كانت ثمرة عمل طويل، وتعاون وثيق، وإدراك عميق بأن قوة كل دولة خليجية تمثل إضافة لقوة شقيقاتها، وليست خصماً منها.

واليوم، وبينما يشهد العالم تحولات متسارعة، وتشتد المنافسة بين القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى، يصبح الحفاظ على وحدة الصف الخليجي، وتعزيز العمل العربي المشترك، وبناء شراكات إقليمية قائمة على الحوار والاحترام المتبادل، مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل، فالتحديات التي تواجه منطقتنا أكبر من أن تستطيع أي دولة التعامل معها منفردة، كما أن الفرص المتاحة أمامها أكبر من أن تضيع بسبب خلافات يمكن تجاوزها بالحكمة والإرادة الصادقة.

إن الدعوة إلى مصالحة خليجية، وقمة إقليمية، وإعادة تنظيم جامعة الدول العربية، ليست شعارات عاطفية أو طموحات مثالية، بل رؤية استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة، لأن الأمن أصبح مشتركاً، والاقتصاد أصبح مترابطاً، والاستقرار لم يعد شأناً محلياً، بل مسؤولية جماعية.

وإذا كان الملك فهد بن عبدالعزيز، والملك عبدالله بن عبدالعزيز، والشيخ صباح الأحمد، رحمهم الله جميعاً، قد تركوا إرثاً خالداً في جمع الصفوف ورأب الصدع، فإننا نتطلع اليوم إلى أن يقود حضرة صاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله، مبادرة جديدة تستلهم ذلك الإرث، وتعيد للكويت دورها التاريخي في جمع الأشقاء، وتفتح صفحة جديدة عنوانها الحوار، والثقة، والتكامل.

ويبقى الأمل أن يكتب جيلنا صفحة جديدة في تاريخ الخليج والشرق الأوسط، عنوانها أن الحكمة أقوى من الخلاف، وأن الحوار أبقى من الخصومة، وأن وحدة الصف هي الاستثمار الحقيقي الذي سيورثه الآباء للأبناء، ويصون أمن الأوطان وازدهارها لعقود قادمة.

إن التاريخ لا يخلّد من انتصر في خلاف عابر، بل يخلّد من استطاع أن يجمع الكلمة، ويطفئ نار الفتنة، ويحفظ الأوطان، ويصنع المستقبل. وربما تكون أعظم هدية يمكن أن نقدمها لأجيالنا القادمة ليست حقول النفط، ولا الأبراج الشاهقة، ولا الاحتياطيات المالية، بل خليجاً أكثر وحدة، وشرقاً أوسط أكثر أمناً واستقراراً، وعالماً عربياً أكثر قدرة على صناعة مستقبله بيده.

فالخلافات يكتبها التاريخ، أما المصالحات فيُصنع بها التاريخ.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى