الهند هندك.. إذا قل ماعندك

بقلم: عبدالرحمن محمود المحمود
(مدير مركز الخليل بن احمد الفراهيدي، كييف – أوكرانيا (موقوف مؤقتاً)
دُعيت ذات مساء لإلقاء كلمة في تجمع حاشد للجالية الهندية المسلمة في دبي، اجتمعوا للاحتفال بإحدى المناسبات رجالاً ونساء وأطفالاً، في احد ملاعب كرة القدم، وقال لي عريف الحفل : تحدث اليهم باللغة العربية، فجلهم يعرفونها، وبدأت حديثي معهم بعد بسم الله الرحمن الرحيم ، بالمثل المشار اليه في عنوان هذه المقالة ومعناه: إذا ضاقت بك سُبل العيش في بلدك ، ففي الهند متسع لكسب الرزق ، وهو مثل كان يردده أجدادنا وأباؤنا من بعدهم ، والأمثلة على الهجرات العربية إلى الهند لا تُحصى ، فعائلات مثل البسام والقناعي ومشاري وغيرها ، هاجر أفراد منها إلى الهند واستقروا فيها ، وأسسوا لهم شركات تجارية ، وأشهر الشخصيات الكويتيةالمعروفة هو الشاعر والموسيقي العبقري عبدالله الفرج المسعري الدوسري المتوفي في عام 1905 ، حيث هاجر مع والده إلى الهند الذي كوّن ثروة كبيرة هناك . بل ان الهجرات العربية تعود إلى أقدم من ذلك ، إذ تسمع والى اليوم أسماء مثل : قريشي ، وأنصاري ، وفاروقي نسبة للفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وصديقي نسبة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وعثماني ، وعلوي ،الخ. بل إلى ابعد من ذلك فقد قامت صلات تجارية وملاحية قبل الإسلام ، بين عُمان وآسيا عموما وصلت إلى الصين وهو تاريخ مدوّن ومُسجل يعرفه جيدااخواننا في عُمان .
والعلاقات بين عُمان والخليج والمشرق العربي عموماً مع الهند لا تبدأ مع تجارة اللؤلؤ وتصديره ، وهي تجارة قديمة ، بل إنها ضاربة في القِدم ، إلى عهد النبي سليمان بن داوود عليهما السلام ، كما أشارت بذلك الدكتورة حسينة بيغم تتارشيري ، الاستاذ في قسم البحوث والدراسات العربية في كلية جمعية التعليم الإسلامي في كيرالا بالهند في دراسة ضافية لها في مجلة البعث الإسلامي الصادرة في لكناؤ بالهند لمن أراد التفاصيل.
أُعجِب الحاضرون ببداية الحديث ، مما شجعني على المضي في شرح المزيد من تفاصيل علاقتنا معهم ، وذكرت لهم ان ابنة اخي اسمها هند على أسم بلادهم ، وكذلك هو أسم جدتنا القديمة والدة أحد أكبر ملوك العرب ، هند بنت عُتبة. وأشرت في حديثي إلى البيت الشهير الذي ورد في قصيدة “بانت سعاد” للشاعر كعب بن زهير في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام ، والبيت هو :
ان الرسول لسيف يُستضاء به … مُهند من سيوف الله مسلول
والرسول عليه الصلاة والسلام يسمع ويبتسم وارتفع المُهند الهندي شرفاً بإكتسابه صفة من صفات النبي عليه الصلاة والسلام ، كما أضحى مُهند اسماً شائعاً ومتداولاً لذكور العرب يقابل هند لإناثها
كما أشرت إلى مشروب الضيافة الذي قدمه لي القائمون على الحفل ، وهو شراب النارجيل ، والذي كان سبباً في إسلام احد ملوكهم ، والذي بنى – أو أمر ببناء – مسجداً هو الأول في الهند في السنة الثامنة للهجرة على حياة الرسول عليه الصلاة والسلام كما تقول رواياتهم . ولقد زرت المسجد حيث أكد لي إمامه صدق تلك الروايات وأشار إلى لوحة على باب المسجد التي تؤكد ذلك التاريخ ، كما أشار إلى مقبرة مجاورة حيث دُفن فيها المهاجرون المسلمون الأوائل.
الهند عندما حكمها المسلمون ، جعلوا منها دولة ثرية موحدة مهابة ، إلى أن جاء البرتغاليون والهولنديون والإنجليز ففرقوا بين أهلها واستعمروهم واستعبدوهم وسلبوا خيراتهم .
تفاصيل كثيرة لا تتسع لها مقالة واحدة ، أوردت أجزاء منها في كتابي عن الهند بعنوان ” الهند، من صراع الآلهة ، إلى تشظي الأديان ” ، والصادر في مدينة كييف في أوكرانيا في عام 2010 عن مركز الخليل بن احمد الفراهيدي ، وأشرفت على جمعه وطباعته الدكتورة أنيسة أحمد عتيق ، نائب مدير المركز .
علينا بالهند ، نعمل ما بوسعنا لإنتشالها من مستنقع العنصرية الطار ئة عليها ، لنُعيدها إلى ما كانت عليه مع شعار جديد :
الهند هندنا حتى لو زاد ما عندنا.