مال واقتصاد

وجهة نظر: تعدد الجزاءات التأديبية على رئيس مجلس إدارة الشركة في مجلس التأديب عن الفعل ذاته

يُعد مبدأ «عدم معاقبة الشخص مرتين عن الفعل ذاته» من المبادئ الراسخة في القانون، وإذا كان هذا المبدأ مفهوما وواضحا في المحاكمة الجنائية، إلا أن الواقع العملي في بعض الجهات الرقابية وفي مجالس التأديب فيها، يشهد حالات يُثار فيها تكرار ايقاع الجزاء التأديبي على الشركة وعلى رئيس مجلس الإدارة وعضو مجلس الإدارة عن الفعل ذاته، وذلك بسبب قصور فهم الطبيعة الخاصة للشركة وفكرة الشخصية الاعتبارية للشركة عن الشخصية القانونية للشخص الطبيعي الذي يمثلها.

وفضلا عن ذلك، فقد كشف الواقع العملي إحالة لمجلس التأديب تتضمن إسناد عدة مواد قانونية تجاه المحالين، وذلك بسبب فعل واحد، وأن قرار الإحالة من الهيئة لمجلس التأديب قد جاء طالبا من مجلس التأديب توجيه عدة عقوبات عن الفعل ذاته.

ولهذا الواقع العملي عدة أسئلة من قبلنا، فهل يجوز إيقاع العقوبة التأديبية على الشخص الاعتباري (الشركة) وعضو مجلس الإدارة (الطبيعي) معا عن الفعل ذاته؟ أما السؤال الثاني فهو: إذا كان الفعل الذي تقوم به الشركة أو التي تمتنع الشركة عن القيام به يشكل مخالفة لقواعد الحوكمة، ويشكل في الوقت ذاته مخالفة لقواعد الإدراج وقواعد الإفصاح على سبيل المثال، فهنا السؤال، هل يتم معاقبة الشركة عن هذا الفعل بسبب مخالفة قواعد الحوكمة فقط، أم بسبب مخالفتها لقواعد الإدراج والإفصاح أيضا؟ أم نكتفي بمخالفة واحدة؟

فإذا كانت الاجابة نعم، فما هي العقوبة التأديبية الأشد في ضوء أن مجلس التأديب هو من يحدد العقوبة التأديبية لاحقا؟ وهل يوجد نص في قانون هيئة أسواق المال أو اللائحة التنفيذية يعالج هذه الفرضية؟

وللإجابة عن السؤال الأول، نجد أن الشركة (المُحالة إلى مجلس التأديب) لها كيان وشخصية اعتبارية تُدار من قبل أشخاص طبيعيين (أعضاء مجلس إدارة الشركة)، وتكون مرتبطة بأعمال ووظائف القائمين على إدارتها، وأنها لا يمكن لها، بل يستحيل عليها أن تدير نفسها بذاتها، لكونها شخصية خيالية، وأن المشرّع اعترف لها بالشخصية القانونية مجازا، وذلك لتحقيق أهداف اقتصادية، ودليل ذلك أن المشرّع الكويتي قد نص في المادة 183 من قانون الشركات رقم 1 لسنة 2016 على: «ينتخب مجلس الإدارة -بالاقتراع السري – رئيسًا للمجلس ونائبًا له، ويمثّل رئيس مجلس الإدارة الشركة في علاقاتها مع الغير وأمام القضاء، إلى جانب الاختصاصات الأخرى التي يبيّنها عقد الشركة، ويعتبر توقيعه كتوقيع مجلس الإدارة في علاقة الشركة بالغير، وعليه تنفيذ قرارات المجلس وأن يتقيد بتوصياته، ويحل نائب الرئيس محل الرئيس عند غيابه، أو قيام مانع لديه من ممارسة اختصاصاته».

إن مبادئ العدالة تقتضي النظر إلى الوقائع محل المخالفات المطروحة على مجلس التأديب كوحدة واحدة مرتبطة بصفات القائمين على إدارتها في حدود سلطات وظائفهم، حيث تسري عليهم قاعدة عدم جواز إعادة طرح الوقائع ذاتها للتحقيق والمحاكمة بقيد ووصف مختلف بالتناوب ما بين الشركة ومجلس الإدارة رئيساً وأعضاء، حيث إن سبق أن إيقاع الجزاء الإداري على الشركة أو على رئيس مجلس إدارة الشركة عن الأفعال ذاتها والصفقات ذاتها التي قامت بها الشركة، يوجب معه عدم جواز إعادة طرح هذه المخالفات من جديد على أعضاء مجلس الإدارة، والقول بخلاف ذلك سوف يترتب عليه ازدواج العقوبة التأديبية، بالمخالفة لجميع المبادئ القانونية والقضائية الراسخة في هذا الشأن.

أما بخصوص السؤال والفرضية الثانية، فإنه من المقرر فقها وقانونا سريان القواعد التي تنظم المحاكمات الجزائية على المخالفات التأديبية، ويترتب على الطبيعة العقابية للجزاء الإداري العام نتيجة مهمة جداً، تتمثل في خضوعه لكل المبادئ التي تخضع لها العقوبات عموماً أياً كانت الجهة التي توقعها، ومن أهم هذه المبادئ أنه إذا كوّن الفعل الواحد جرائم متعددة، وجب اعتبار الجريمة التي عقوبتها أشد والحكم بهذه العقوبة دون غيرها، وفقا لنص المادة 84 من قانون الجزاء الكويتي، إلّا أن الإشكالية تكمن في أن قانون هيئة أسواق المال واللائحة التنفيذية له لم يحددوا العقوبات سلفا، حتى يمكن توجيه مخالفة المحال لمجلس التأديب وفقا لقاعدة العقوبة الأشد، حيث إن مجلس التأديب هو من يقرر الجزاء بعد نظره للشكوى، وهذا ما قد يترتب عليه توقيع الجزاء على المخالف دون اتباع القاعدة والمبدأ العام في العقوبات بقانون الجزاء.

وفي السياق ذاته، وبإسقاط هذه المبادئ على الشكاوى المنظورة أمام مجلس التأديب، نجد أنه في الواقع العملي توجد قرارات إحالة لمجلس التأديب تتضمن إسناد عدة مواد قانونية تجاه المحالين، وذلك بسبب فعل واحد، وأن قرار الإحالة من هيئة أسواق المال لمجلس التأديب قد جاء طالبا من مجلس التأديب توجيه عدة عقوبات عن الفعل ذاته، وهذا ما يوجب معه إعادة تصحيح شكل الإحالة من قبل الهيئة، وتحديد العقوبة المراد ايقاعها تحديدا نافيا للجهالة، حتى يتمكن المحال من تجهيز أفضل دفاع له.

* أستاذ القانون التجاري بجامعة الكويت

زر الذهاب إلى الأعلى