مقالات وبحوث

لا تسمحوا بإعادة صناعة البعبع الإيراني!

بقلم: رئيس التحرير

بينما يتحرك الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعقد اتفاقات مع روسيا لتوريد الديزل وخفض أسعار الوقود، وتتجدد العروض الروسية بشأن اليورانيوم الإيراني وتسوية الحرب، يبرز سؤال يجب أن تسمعه العواصم الكبرى بوضوح: أين أمن الخليج في هذه الحسابات؟ وهل يمكن أن تنتهي التفاهمات بإنقاذ طهران من مأزقها، ومنحها المال والوقت لتعيد بناء قوتها وتعود إلى تهديد جيرانها؟ إن اتفاق الديزل أُعلن، أما تحويله إلى بوابة لتفاهمات أوسع فهو احتمال يجب التعامل معه قبل أن يصبح واقعًا تُطلب منا مسايرته.

من حق واشنطن أن تبحث عن مصالحها، ومن حق موسكو أن تسعى إلى مكاسبها، لكن من واجب حكومات الخليج أن تمنع تحقيق تلك المصالح على حساب أمن شعوبها، فلا يجوز أن تنخفض كلفة الوقود عند الآخرين، ثم ندفع نحن كلفة الصواريخ والمسيّرات وتعطيل المطارات والموانئ واستنزاف اقتصاداتنا، ولا يجوز أن تتحول منطقتنا إلى بند قابل للمساومة كلما احتاج رئيس إلى مكسب انتخابي أو أرادت دولة تخفيف العقوبات عنها.

لقد تعرضت القدرات العسكرية الإيرانية لأضرار جسيمة، لكن الضرر لا يعني زوال الخطر، فما زالت طهران تملك أدوات للهجوم والضغط، وهنا تكمن مسؤولية اللحظة: منع ترميم القدرة العدوانية، ورفض أي تسوية تعيد تمويلها وتترك شبكاتها المسلحة قائمة، فليس مقبولًا أن تتحمل المنطقة كل هذه الخسائر، ثم تنتهي إلى استعادة التهديد نفسه بعد سنوات، وربما بصورة أشد خطورة.

على كل دولة خليجية أن تتحرك الآن، بكل قوتها وبكل ما تملكه من علاقات ومصالح وأوراق تأثير، فالدولة التي تملك استثمارات مؤثرة تستخدم وزنها الاستثماري، والتي ترتبط بشراكات دفاعية تضع أمنها في صلب تلك الشراكات، والتي تملك قنوات مباشرة مع واشنطن أو موسكو تستثمرها لانتزاع التزامات واضحة، وكل عاصمة مطالبة بأن تقول: مصالحكم معنا يجب أن تقابلها مراعاة فعلية لأمننا، ولن تكون شراكاتنا مفتوحة بلا حساب فيما تُبرم ترتيبات تعيد الخطر إلى حدودنا.

ويجب أن تصل الرسالة إلى البيت الأبيض والكونغرس والكرملين ومراكز القرار الاقتصادي، عبر تحرك مباشر يتجاوز المجاملات الدبلوماسية، وأن تخضع الاستثمارات الجديدة والعقود الكبرى والتسهيلات ومجالات التعاون للمراجعة وفق مدى احترام الشركاء لمصالحنا الأمنية، فمن يتعامل معنا بلغة المصالح ينبغي أن يسمع منا اللغة نفسها، ومن يطلب استمرار المنافع عليه أن يدرك أن تعريض أمننا للخطر ستكون له كلفة في علاقاته معنا.

أما المطالب، فيجب أن تكون محددة: منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وإخضاع التزاماتها لرقابة قابلة للتحقق، ووقف تسليح الأذرع وتمويلها وتدريبها، وإنهاء التدخل في الدول العربية تحت شعار تصدير الثورة، وربط أي تخفيف للعقوبات بتنفيذ فعلي ومتدرج، مع إجراءات تعيد الضغط عند الخرق، فلا يكفي نقل اليورانيوم إلى مكان آخر إذا بقيت المصانع والشبكات والأموال تعيد إنتاج الصواريخ والميليشيات والابتزاز.

وفي اليمن، يخوض التحالف بقيادة السعودية والقوات الحكومية مواجهة واسعة مع الحوثيين، وقد أعلن التحالف تدمير أهداف عسكرية وتوفير الإسناد للقوات اليمنية، وهذه معركة تمس أمن الخليج وممراته ومصالحه، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها شأنًا سعوديًا يمكن لبقية الدول مراقبته من بعيد أو الاكتفاء بإصدار بيانات التعاطف بشأنه.

ولنا في اليمن درس يجب أن يحكم موقفنا من الحوثي وإيران معًا، ففي عام ٢٠١٨، ومع تقدم القوات اليمنية المدعومة من التحالف نحو الحديدة، تصاعدت الضغوط الأميركية والأوروبية لوقف القتال وإفساح المجال للمفاوضات، وصولًا إلى اتفاق استوكهولم برعاية الأمم المتحدة، لكن التسوية لم تنزع سلاح الحوثي ولم تُنهِ ارتباطه العسكري بطهران، فبقيت الجماعة تحتفظ بأدوات العدوان، وبقي لإيران ذراع تستخدمها لتهديد المنطقة، حتى صار الخطر كابوسًا يطارد اليمن والسعودية والملاحة الدولية.

واليوم، نخشى أن يتكرر الخطأ على نطاق أوسع، فتُمنح إيران فرصة لترميم قدراتها العسكرية واستعادة مواردها المالية دون إنهاء مشروعها التوسعي، ويُمنح الحوثي تهدئة يحتفظ خلالها بصواريخه ومسيّراته، فنكون قد أتحنا لمصدر التهديد وذراعه استعادة القوة معًا، ثم نعود بعد سنوات لندفع ثمن المواجهة من أمن شعوبنا واقتصاداتنا، ولهذا يجب أن تضغط كل دولة خليجية بكل نفوذها لمنع أي تفاهمات تنقذ قدرة طهران على العدوان، وأي تسوية تُبقي للحوثي سلطته المسلحة، فإضعاف الذراع مع السماح بإعادة تسليحها يؤجل الخطر، وإضعاف طهران مع إبقاء أذرعها يترك لها أدوات التخريب والعودة.

والمطلوب إنهاء هذه الدائرة بضمانات وتنفيذ ورقابة، حتى لا تتحقق مصالح قوى الغرب والشرق بإبقائنا تحت تهديد دائم، نحتاج معه إلى حمايتها ونواصل شراء أسلحتها، على حساب حق شعوبنا في أمن حقيقي ودائم.

والرسالة هنا صريحة: لا توقفوا التحالف في منتصف الطريق، ولا تضغطوا لتهدئة تمنح الحوثي فرصة جديدة لإعادة التموضع والتسلح، فوقف القتال الذي يترك أدوات العدوان في يده يؤجل المواجهة ويضاعف كلفتها، والمطلوب إنهاء قدرته على تهديد السعودية والخليج والملاحة، وقطع دابر مشروعه العسكري بفرض سلطة الدولة اليمنية، وتسليم الأسلحة الثقيلة والصواريخ والمسيّرات إليها، وإغلاق منافذ الإمداد والتمويل، بضمانات تنفيذ لا بوعود قابلة للتبخر.

ومن يريد وقف الحرب، فليضغط من أجل هذه النتائج، وليضع أمام الجماعة طريقًا واضحًا لإنهاء سلطتها المسلحة، بدل أن يصبح الضغط موجهًا إلى من يتعرض للاعتداء كي يقبل استمرار مصدره، فقيمة أي تسوية مرهونة بما تنتزعه من أدوات العدوان، وما تضمنه للمواطن من حياة آمنة، وبعودة القرار إلى مؤسسات الدولة، وبانتهاء امتلاك جماعة مسلحة حق إشعال المنطقة متى شاءت.

ومساندة السعودية اليوم تستدعي أفعالًا: دعمًا دفاعيًا واستخباراتيًا ولوجستيًا بحسب قدرة كل دولة، وتحركًا سياسيًا يمنع فرض تسويات ناقصة، وتجفيفًا لشبكات التمويل والتهريب، ومساندة اقتصادية للدولة اليمنية تعيد الخدمات والرواتب والإعمار، مع حماية المدنيين وإيصال المساعدات إليهم، فنجاح المعركة يحتاج إلى دولة تستعيد الأرض وثقة الناس معًا، وتمنع الميليشيا من العودة عبر الفقر والفوضى.

إن الدفاع عن السعودية دفاع عن عمق الخليج كله، ومن يتصور أن التهديد سيتوقف عند حدودها يخطئ في فهم طبيعة الخطر، فكل اعتداء ينجح في فرض تنازل يفتح الباب لابتزاز جديد، وكل تراجع عن حماية السيادة يغري بمزيد من التوسع، ولهذا يجب أن تجد المملكة خلفها مواقف عملية توازي حجم المعركة، وأن يعرف الشركاء الدوليون أن أمن دولنا ليس قابلًا للتجزئة أو المقايضة.

هذه لحظة فعل وقرار، وعلى كل حكومة خليجية أن تتحمل مسؤوليتها وتستخدم نفوذها قبل أن تُرسم التسويات وتُغلق الأبواب، فلا ننتظر حتى تستعيد طهران أدواتها، ثم نبدأ الاحتجاج على عودة تهديداتها، ولا نسمح بإنقاذ المشروع الحوثي ليعيد دورة العدوان من جديد، لقد دفعت المنطقة ما يكفي، وحان أن تكون كلمتنا حاسمة: لا لإعادة صناعة البعبع الإيراني، ولا لسلام يعيد المعتدي إلى قوته ويترك جيرانه تحت رحمته.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى