مال واقتصاد

سلاسل الإمداد العالمية تترقب تداعيات إغلاق «هرمز»

قال خبراء نفطيون إن هناك مبالغة في دور النفط الفنزويلي كمُنقذ للأسواق العالمية، فعلى الرغم من امتلاك فنزويلا أكبر احتياطي «303 مليارات برميل»، فإن إنتاجها الفعلي في 2026 لا يزال يتعافى ولم يتجاوز مستويات مؤثرة عالمياً «أقل من 1% من الإمدادات العالمية حالياً». وأضاف الخبراء، في تحقيق أجرته «الجريدة»، أن المنشآت الفنزويلية متهالكة وتحتاج إلى سنوات من الاستثمار الأميركي لتعويض نقص الخليج، موضحين أنه حتى لو أمّنت أميركا استهلاكها الداخلي، فإن ارتفاع السعر العالمي للبرميل سيؤدي لارتفاع الأسعار في المحطات الأميركية فوراً، وبالتالي سيؤدي إلى ركود وتضخم. وذكروا أنه في حال تعرضت المنشآت النفطية الإيرانية لدمار واسع، فسيكون السؤال: هل تستطيع دول الخليج تعويض هذا النقص بالكامل؟ لافتين إلى أنه نظرياً، تمتلك بعض الدول الخليجية طاقات إنتاجية فائضة تمكنها من زيادة الإنتاج، إلا أن التعويض الكامل يعتمد على حجم الأضرار، ومدة الحرب، واستقرار البنية التحتية في المنطقة. وبينما أكدوا أن الأضرار إذا امتدت إلى منشآت نفطية في دول خليجية أخرى، فستكون الأزمة أعمق وأشد تعقيداً، نظراً لأهمية المنطقة كمصدر رئيسي للطاقة العالمية، لفتوا إلى أن سلاسل الإمداد العالمية تترقب التداعيات التي تتعلق بمضيق هرمز. وفيما يلي التفاصيل:

قال الخبير والمحلل النفطي كامل الحرمي، إن مضيق هرمز يعد بوابة رئيسية لعبور صادرات دول الخليج العربي نحو الأسواق العالمية، خصوصاً إلى آسيا، فدول مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بشكل حيوي، بل مصيري في بعض الحالات، على نفط الخليج لتشغيل اقتصاداتها الصناعية، لافتاً إلى أن إغلاق هذا الشريان يعني اضطراباً غير مسبوق في سلاسل الإمداد العالمية، وقد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تضخمية على الاقتصاد العالمي.

وأضاف الحرمي أنه في حال تعرضت المنشآت النفطية الإيرانية لدمار واسع، فسيكون السؤال: هل تستطيع دول الخليج تعويض هذا النقص بالكامل؟  لافتاً إلى أنه نظرياً، تمتلك بعض الدول الخليجية طاقات إنتاجية فائضة تمكنها من زيادة الإنتاج، إلا أن التعويض الكامل يعتمد على حجم الأضرار، ومدة الحرب، واستقرار البنية التحتية في المنطقة.

كامل الحرمي: التعويض الكامل للحصص يعتمد على حجم الأضرار ومدة الحرب واستقرار البنية التحتية في المنطقة

امتداد الأضرار

وأشار إلى أنه إذا امتدت الأضرار إلى منشآت نفطية في دول خليجية أخرى، فستكون الأزمة أعمق وأشد تعقيداً، نظراً لأهمية المنطقة كمصدر رئيسي للطاقة العالمية.

وأوضح أن تجربة الحروب السابقة في الخليج أثبتت أن استمرار تدفق النفط، ولو في ظروف صعبة، ساهم في الحد من الارتفاعات المفرطة للأسعار، مشيراً إلى أن وجود فائض عالمي يقارب 4 ملايين برميل يومياً قد يشكل عامل توازن، بشرط ألا يطول أمد الحرب.

الحرمي: استقرار منطقة الخليج لا يخدم دولها فحسب بل يمثل ضرورة للاقتصاد العالمي بأسره

وذكر أنه في حال استمرار النزاع فترة طويلة، فسيواجه العالم موجة تضخم جديدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، ما سينعكس على أسعار السلع والخدمات عالمياً.

واختتم الحرمي بقوله إنه في ظل ما يحدث، يبقى الأمل أن تنتهي الحرب سريعاً، وأن يظل الخليج العربي منطقة آمنة وبعيدة عن النزاعات، ليستمر كممر حيوي وشريان حياة للطاقة العالمية، لأن استقرار هذه المنطقة لا يخدم دولها فحسب، بل يمثل ضرورة للاقتصاد العالمي بأسره.

طارق الوزان: أي توتر جيوسياسي في منطقة الخليج يثير اهتماماً واسعاً في الأسواق العالمية

ممر حيوي

من جهته، قال الباحث في اقتصاديات الطاقة وأسواق النفط ﻃﺎﺭﻕ الوزان، إن مضيق هرمز يشكل أحد أهم الممرات الحيوية في تجارة الطاقة العالمية، حيث تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز تمثل جزءاً أساسياً من تدفقات الطاقة نحو الاقتصادات الصناعية الكبرى، خصوصاً في آسيا.

وأضاف الوزان أن ذلك يأتي في وقت يتجاوز فيه الاستهلاك العالمي من النفط 102 إلى 103 ملايين برميل يومياً، ما يجعل استقرار طرق نقل الطاقة عاملاً أساسياً في استقرار الاقتصاد العالمي، موضحاً أن أي توتر جيوسياسي في منطقة الخليج يثير اهتماماً واسعاً في الأسواق العالمية، ليس فقط بسبب تأثيره المحتمل على الأسعار، بل أيضاً بسبب انعكاساته على استمرار تدفق الإمدادات نفسها.

وذكر أن مضيق هرمز يعد أحد أهم نقاط الاختناق في نظام الطاقة العالمي، فوفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، يمر عبر المضيق يومياً ما يتراوح بين 20 و21 مليون برميل من النفط والسوائل البترولية، لافتاً إلى أن ذلك يمثل نحو 20% من الاستهلاك العالمي وما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً، كما يمر عبر المضيق جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً صادرات قطر التي تمثل نحو 20 إلى 25% من تجارة الغاز المسال عالمياً.

وتتجه نحو 70% من هذه التدفقات النفطية إلى آسيا، مما يجعل اقتصادات مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار الملاحة في هذا الممر البحري.

الوزان: المخزونات الاستراتيجية تؤدي دوراً مهماً في امتصاص الصدمات قصيرة الأجل

وأشار إلى أنه بأسعار نفط تدور حول 75 إلى 80 دولاراً للبرميل، فإن قيمة النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز يومياً تتجاوز 1.5 إلى 1.7 مليار دولار. وعلى أساس سنوي، يمكن أن تتجاوز قيمة تجارة النفط التي تعبر هذا الممر 600 مليار دولار، مما يعكس أهميته الاقتصادية الكبيرة في منظومة الطاقة العالمية.

وقال ﺍﻟﻮﺯﺍﻥ إن دول الخليج مجتمعة تنتج ما يقارب 21 إلى 22 مليون برميل يومياً من النفط، أي نحو ربع الإنتاج العالمي، لكن أهمية المنطقة تظهر بوضوح أكبر في جانب الصادرات، إذ تمثل دول الخليج نحو 35% من صادرات النفط العالمية، كما أن الجزء الأكبر من هذه الصادرات يتجه إلى آسيا، حيث تعتمد الاقتصادات الصناعية الكبرى بدرجة كبيرة على استقرار تدفقات النفط من الخليج لتشغيل قطاعات النقل والصناعة.

مخزونات تجارية

ولفت إلى أن تأثير أي اضطراب في المضيق يعتمد على مدة التعطل وحجمه، فإذا كان التعطل محدوداً لبضعة أيام، تستطيع الأسواق الاعتماد على المخزونات التجارية والاستراتيجية لتخفيف أثر الصدمة، لكن أسواق النفط لا تنتظر حدوث نقص فعلي في الإمدادات كي تتفاعل، إذ تبدأ عادة بإضافة ما يعرف في أسواق الطاقة بـالعلاوة الجيوسياسية عند تصاعد التوترات في مناطق الإنتاج.

وذكر أن تقديرات العديد من بيوت الخبرة تشير إلى أن هذه العلاوة قد تتراوح بين 10% و25% خلال فترات التوتر الحاد حتى في غياب نقص فعلي في الإنتاج.

وقال: كما يظهر هذا القلق في منحنى العقود الآجلة للنفط. ففي الظروف الطبيعية يكون السوق في حالة Backwardation حيث تكون الأسعار الفورية أعلى قليلاً من الأسعار المستقبلية نتيجة قوة الطلب الفوري. لكن عند تصاعد المخاطر الجيوسياسية قد ترتفع الأسعار المستقبلية لتعكس احتمال اضطراب الإمدادات.

واضاف: أما إذا استمر التعطل لفترة أطول، فإن البدائل المتاحة تبقى محدودة. فخط الأنابيب السعودي شرق–غرب بطاقة تقارب 5 ملايين برميل يومياً، وخط حبشان–الفجيرة في الإمارات بطاقة نحو 1.5 مليون برميل يومياً، لا يستطيعان تعويض سوى جزء من الكميات التي تمر عبر المضيق، ولهذا فإن أي تعطل طويل قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار إذا أصبح تدفق الإمدادات موضع شك.

وأوضح الوزان أن إنتاج إيران حالياً يتراوح بين 3 و3.5 ملايين برميل يومياً، أي ما يقارب 3% من الإمدادات العالمية، وتمتلك بعض الدول المنتجة في الخليج طاقة إنتاجية احتياطية يمكن استخدامها لتعويض جزء من هذا النقص، خصوصاً السعودية والكويت والإمارات.

وبين ان تقديرات السوق تشير إلى أن الطاقة الاحتياطية العالمية تتراوح بين 3 و4 ملايين برميل يومياً، ويتركز جزء كبير منها في دول الخليج، لافتاً الى ان تشغيل هذه الطاقة يعتمد على ظروف تشغيلية وسياسات الإنتاج داخل تحالف أوبك+، ولذلك قد تتمكن الأسواق من تعويض جزء كبير من النقص، إلا أن الأسعار غالباً ما ترتفع في المدى القصير إلى أن يعاد ضبط التوازن بين العرض.

توقف طويل

وقال إن المخزونات الاستراتيجية تلعب دوراً مهماً في امتصاص الصدمات قصيرة الأجل في أسواق النفط. فالدول الصناعية الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية تمتلك مخزونات استراتيجية تتجاوز 1.5 مليار برميل، لكن هذه المخزونات مصممة أساساً للتعامل مع الاضطرابات المؤقتة وليس لتعويض توقف طويل في الإمدادات.

ولهذا تُستخدم عادة كأداة تمنح الأسواق وقتاً لإعادة تنظيم تدفقات النفط وليس كبديل دائم للإنتاج.

وذكر أن معظم خبراء الطاقة يرون أن الإغلاق الكامل للمضيق لفترة طويلة يُعد سيناريو شديد التعقيد من الناحية العسكرية والاقتصادية، فالمضيق يمثل ممراً دولياً رئيسياً لنقل الطاقة وتوجد فيه حركة بحرية كثيفة تخضع لمراقبة دولية مستمرة، لهذا فإن السيناريو الأكثر واقعية في حال تصاعد التوترات ليس الإغلاق الكامل، بل تعطل جزئي في حركة الملاحة أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن نتيجة المخاطر الجيوسياسية.

وتابع: لا يقوم نظام الطاقة العالمي على السعر وحده، بل على القدرة المستمرة لنقل النفط من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، لهذا يمثل مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري، فهو أحد المفاصل الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد الصناعي العالمي، خصوصاً في آسيا، فالأسواق تستطيع التكيف مع ارتفاع الأسعار بمرور الوقت، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما يصبح تدفق الإمدادات نفسه موضع شك.

وأكد أنه في اقتصاد عالمي يعتمد على تدفق يومي للطاقة، يبقى استقرار طرق النقل البحرية – وعلى رأسها مضيق هرمز – أحد أهم عناصر استقرار سوق الطاقة والاقتصاد العالمي.

علي العامري: حركة الناقلات توقفت فعلياً  في أجزاء من مضيق هرمز 

عنق زجاجة

من ناحيته، أفاد رئيس مجلس الإدارة في مجموعة الشموخ لخدمات النفط بالإمارات د. علي العامري بأن المضيق ليس مجرد ممر، بل هو «عنق زجاجة» لا يمكن تعويضه بالكامل، ويعبر المضيق يومياً ما بين 20 و21 مليون برميل من النفط والسوائل البترولية (أي حوالي 20% من الاستهلاك العالمي).

وأضاف العامري: بالتأكيد في حال الإغلاق الكامل، يتوقع الخبراء قفزة فورية تتجاوز 100 دولار للبرميل، ومع استمرار الإغلاق أكثر من أسبوعين، قد تلامس الأسعار مستويات 130-150 دولاراً، وبالنسبة للغاز فتصدر قطر كامل إنتاجها عبر المضيق، مما يعني أن أوروبا وآسيا ستواجهان أزمة حادة في توليد الكهرباء والتدفئة، وليس فقط وقود السيارات.

وأشار إلى أنه بالنسبة لقدرة دول الخليج على التعويض والمسارات البديلة في حال توقف الإنتاج الإيراني من النفط وعلى عكس الاعتقاد الشائع، فالقدرة على «الإنتاج» موجودة، لكن القدرة على «التصدير» بعيداً عن هرمز محدودة، فخط شرق-غرب السعودية يصدر 5 – 7 ملايين برميل ويعد أكبر شريان بديل ينقل النفط للبحر الأحمر كما ينقل خط حبشان-الفجيرة الذي ينقل نفط أدنوك حوالي مليونَي برميل لخارج المضيق مباشرة. كما أن هناك خط سوميد مصر ينقل 2.5 مليون مكمّل لنقل النفط من البحر الأحمر للمتوسط، أما خط غورة-جاسك التابع لإيران فقدرته محدودة جداً وتأثر بالصراع الحالي.

العامري: منشآت فنزويلا النفطية متهالكة وتحتاج لسنوات من الاستثمار الأميركي لتعويض نقص «الخليج»

طاقة الأنابيب

وذكر العامري أن هذا يعني أن إجمالي طاقة الأنابيب البديلة الفعالة لا تتجاوز 9 ملايين برميل يومياً في أفضل الظروف، مما يترك فجوة عجز تزيد على 11-12 مليون برميل يومياً لا يمكن نقلها عالمياً إذا أُغلق المضيق.

وقال إن حركة الناقلات توقفت بالفعل في أجزاء من المضيق بسبب التهديدات المباشرة في مارس الجاري، وبما أن آسيا تستورد 84% من صادرات هرمز (الصين، الهند، اليابان)، فان تعطل الإمدادات يعني توقف المصانع الكبرى في هذه الدول. 

ولفت إلى أنه يوجد حالياً حوالي 60 ناقلة فارغة في المنطقة توفر سعة تخزين عايم تصل لـ 50 مليون برميل وهي تكفي لامتصاص الصدمة لمدة 3-4 أيام فقط قبل أن يضطر المنتجون لخفض الإنتاج قسرياً لعدم وجود مكان لتخزين النفط المستخرج.

نفط فنزويلا

وأعرب عن اعتقاده بأن هناك مبالغة في دور نفط فنزويلا كمُنقذ للأسواق العالمية وبالرغم من امتلاك فنزويلا أكبر احتياطي (303 مليار برميل)، إلا أن إنتاجها الفعلي في 2026 لا يزال يتعافى ولم يتجاوز مستويات مؤثرة عالمياً (أقل من 1% من الإمدادات العالمية حالياً)، والسبب أن المنشآت الفنزويلية متهالكة وتحتاج لسنوات من الاستثمار الأميركي لتعويض نقص الخليج، وحتى لو أمنت أميركا استهلاكها الداخلي، فإن ارتفاع السعر العالمي للبرميل سيؤدي لارتفاع الأسعار في المحطات الأميركية فوراً، بالتالي سيؤدي لركود وتضخم.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى