بين اختطاف مادورو ومؤتمر الرياض: كيف يواجه الخليج مرحلة النفط والتحولات الجيوسياسية الكبرى بعد تطورات فنزويلا؟

بقلم: رئيس التحرير
يدخل العالم اليوم مرحلة جديدة من الصراع على الطاقة، مرحلة لم تعد تُدار فقط عبر السيطرة العسكرية التقليدية أو الاتفاقات النفطية العلنية، بل من خلال إعادة هندسة الأسواق، والتحكم في تدفقات العرض، واستخدام الطاقة كسلاح اقتصادي وسياسي لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
وفي ضوء هذه التحولات لا يمكن فصل التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه فنزويلا عن الاستراتيجية الأشمل للولايات المتحدة في إدارة النظام النفطي العالمي، ولا عن سعيها طويل الأمد لتخفيف الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، تمهيدًا لمرحلة اضطراب إقليمي أوسع وأكثر تعقيدًا.
ما جرى في فنزويلا يمثل نقطة تحوّل فارقة، فاعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في الثالث من يناير 2026 خلال عملية عسكرية خاطفة، سبقها حصار بحري وضغوط مالية خانقة، لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا داخليًا معزولًا، بل باعتباره حلقة ضمن مسار استراتيجي يهدف إلى إعادة إدماج أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم ضمن منظومة النفوذ الأمريكي المباشر، سواء عبر الإشراف الأمني أو المالي أو التقني، لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا محليًا معزولًا، بل باعتباره خطوة استراتيجية تهدف إلى توسيع أدوات التحكم في سوق الطاقة العالمية، وإذا ما انتقلت إدارة النفط الفنزويلي فعليًا إلى إشراف أمريكي مباشر أو شبه مباشر، فإن ذلك لن يكون مجرد تشغيل حقول أو إعادة عقود شركات، بل تحوّلًا استراتيجيًا شبيهًا بما جرى في العراق بعد عام 2003، حين لم يكن الهدف زيادة الإنتاج فحسب، بل استخدام النفط كأداة سياسية واقتصادية لضبط السوق العالمية وتوجيهها بما يخدم مصالح القوى الكبرى.
في هذا السيناريو، يصبح خفض أسعار النفط هدفًا مشروعًا بحد ذاته، لا بوصفه نتيجة عرض وطلب فقط، بل كأداة سياسية تخدم الاقتصادات الصناعية الكبرى، وتخفف الضغوط التضخمية عنها، وتمنحها هامش مناورة أوسع في صراعاتها الجيوسياسية المقبلة.
ورغم أن الإنتاج الفنزويلي الحالي لا يزال محدودًا نسبيًا، إذ يقدّر بنحو 900 إلى 950 ألف برميل يوميًا، فإن التقديرات الأولية تشير إلى أن إعادة تشغيل الحقول تحت إشراف أمريكي، ومع تدفق التكنولوجيا والاستثمارات الغربية، قد ترفع الإنتاج تدريجيًا بما يتراوح بين 150 و300 ألف برميل يوميًا خلال السنة الأولى، على أن تتسارع الزيادة في السنوات اللاحقة إذا ما أُعيد تأهيل البنية التحتية المتهالكة التي تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات.
هذا الارتفاع وإن بدا محدودًا رقميًا في سوق يتجاوز حجم الطلب فيه 100 مليون برميل يوميًا، إلا أن أثره الحقيقي يكمن في البعد النفسي والسياسي، فالأسواق لا تتفاعل مع الكميات فقط، بل مع الرسائل! ورسالة السيطرة على نفط فنزويلا تعني أن الولايات المتحدة باتت تمتلك هامشًا إضافيًا لإغراق السوق عند الحاجة، أو التلويح بذلك، بما يكفي لإبقاء الأسعار تحت ضغط مستمر.
انخفاض أسعار النفط إلى مستويات قد تلامس أو تنخفض عن 40 دولارًا للبرميل، وإن بدا للبعض سيناريوًّا متطرفًا على المدى القصير، لم يعد مستحيلًا على المدى المتوسط في ظل وفرة الإمدادات، وتباطؤ النمو العالمي، واستخدام الطاقة كسلاح سياسي، فالحصار البحري الأمريكي غير المعلن، الذي سبق الاعتقال واستهدف السفن المرتبطة بالصادرات الفنزويلية، قدّم نموذجًا واضحًا لكيف يمكن للأدوات البحرية والمالية أن تحل محل التدخل العسكري المباشر في إدارة أسواق الطاقة، عبر تعطيل الشحن، ورفع كلفة التأمين، وإرباك سلاسل الإمداد دون إطلاق رصاصة واحدة.
هذا المستوى السعري إذا تحقق لا يضرب فقط موازنات الدول المنتجة، بل يعيد صياغة العقد الاجتماعي في الدول الريعية، ويضع المجتمعات أمام اختبارات قاسية تتعلق بالدعم، والضرائب، والوظائف، والإنفاق العام. كما أن ردود الفعل الدولية، أو بالأحرى غيابها النسبي، تعزز هذا المسار.
وفيما يتعلق بردود الفعل الدولية والداخلية على ما جرى في فنزويلا، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا من مجرد انتصار سريع أو هزيمة صريحة، فرغم الإدانة العلنية الصادرة عن روسيا والصين لعملية اعتقال الرئيس الفنزويلي، فإن محدودية ردودهما العملية، مقارنة بحجم الاستثمارات التي خسرتها الدولتان في فنزويلا من قروض بمليارات الدولارات ودعم عسكري وتقني، تكشف حدود قدرتهما على تحدي النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية في هذه المرحلة، وهذا التباين بين الخطاب السياسي والفعل الميداني لا يعني قبولًا بالأمر الواقع، بقدر ما يعكس إعادة ترتيب للأولويات، حيث تجد موسكو نفسها منغمسة في استنزاف طويل على الجبهة الأوكرانية، بينما تفضّل بكين إدارة الخسارة بهدوء وتجنّب الصدام المباشر في ما يُعد تقليديًا ضمن المجال الحيوي للولايات المتحدة، وفي المقابل لا يمكن افتراض أن الداخل الفنزويلي سيسلّم بسهولة بالواقع الجديد؛ فالمجتمع الفنزويلي، بما يحمله من ذاكرة تاريخية مع التدخلات الخارجية وهوية قومية متجذرة، قد لا ينزلق إلى مواجهة شاملة، لكنه مرشح للدخول في نمط من المقاومة الصامتة أو المتقطعة، بما يحوّل السيطرة السياسية السريعة إلى تحدٍ طويل الأمد، وهذا السيناريو، الذي يجمع بين خفض التصعيد الدولي وتآكل القبول الداخلي، هو تحديدًا ما يفتح الباب أمام معركة استنزاف غير معلنة، لا تُهزم فيها الولايات المتحدة سريعًا، ولا تحسم فيها النتيجة نهائيًا، وهو وضع قد تفضّله القوى المنافسة لواشنطن، لا بوصفه نصرًا لها، بل بوصفه كلفة إضافية تُستنزف فيها القوة الأمريكية على المدى المتوسط.
بالنسبة لدول الخليج العربي: لا يقتصر التحدي هنا على الجانب المالي، بل يمتد إلى البنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فمرحلة النفط الرخيص تعني تقلص الفوائض، وضغطًا متزايدًا على الصناديق السيادية، وتسارعًا في وتيرة الإصلاحات الاقتصادية التي قد تصطدم بحساسيات اجتماعية وسياسية دقيقة، كما أن زيادة المنافسة من النفط الفنزويلي الثقيل، خصوصًا في الأسواق الآسيوية وعلى رأسها الصين التي كانت تستوعب الجزء الأكبر من الصادرات الفنزويلية، قد تؤدي إلى فقدان بعض دول الخليج حصصًا سوقية مهمة، ما يضاعف الضغط على الإيرادات العامة.
التعامل مع هذا الواقع يتطلب قبل كل شيء قراءة صادقة للمشهد، بعيدًا عن خطاب الطمأنة المفرطة أو الذعر غير المنتج:
اقتصاديًا: لم يعد مقبولًا أن تبقى الصناديق السيادية مجرد أدوات لتمويل العجز في أوقات الأزمات، المطلوب إعادة توجيه جزء معتبر من هذه الأصول نحو استثمارات تولّد دخلًا مستدامًا داخل الاقتصادات الوطنية، خصوصًا في قطاعات الإنتاج الحقيقي، والصناعة التحويلية، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا المتقدمة، بدل الاعتماد المفرط على عوائد خارجية شديدة الحساسية لتقلبات الأسواق العالمية.
إدارة الدين العام بدورها تصبح مسألة توازن دقيق. الاقتراض قد يكون أداة مرحلية مشروعة لتجاوز الصدمات، لكنه يتحول إلى عبء خطير إذا استُخدم كبديل عن الإصلاح الهيكلي، وفي حال استمرار الأسعار المنخفضة سيكون من الصعب تجنب توسيع قاعدة الضرائب غير المباشرة، لكن نجاح هذه الخطوة مرهون بالعدالة والشفافية، المجتمعات الخليجية قد تتقبل الضرائب إذا رافقها وضوح في أوجه الإنفاق، وتحسن ملموس في جودة الخدمات، ومكافحة حقيقية للهدر والفساد، وإشراك فعلي للمواطن في القرار الاقتصادي. أما فرض الضرائب دون إصلاح مؤسسي موازٍ، فسيحوّل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ثقة تهدد الاستقرار الاجتماعي.
اجتماعيًا: أخطر ما في مرحلة النفط الرخيص ليس انخفاض الدخل، بل تصدع التوازن الاجتماعي، لذلك يصبح الاستثمار في الإنسان أولوية قصوى، عبر التعليم النوعي، وإعادة تأهيل سوق العمل، دعم وتمكين الشباب من الانخراط في قطاعات غير نفطية قادرة على توليد قيمة مضافة حقيقية.
المجتمعات التي تُدار بمنطق الأرقام وحده دون مراعاة البعد الاجتماعي تكون أكثر هشاشة أمام الصدمات الخارجية وأكثر عرضة للاحتقان الداخلي.
سياسيًا: لا يمكن فصل التحديات الاقتصادية عن البيئة الأمنية المحيطة بدول الخليج، الأوضاع المضطربة في اليمن، والتوتر المزمن مع إيران، وحالات الانهيار الممتدة في الصومال والسودان، وما يجري من تعدي وقصف وتشريد وانتهاكات لم تتوقف في غزة رغم الاتفاقات، تشكّل معًا طوقًا جغرافيًا ضاغطًا، يجعل أي هزة اقتصادية أكثر خطورة، وتحت وطأة هذا الطوق الجغرافي الضاغط، يصبح تجاوز الخلافات البينية داخل الإقليم ضرورة وجودية ومسألة مصيرية تتقدم على أي حسابات أخرى مهما كانت.
استمرار الانقسام يفتح الباب أمام القوى الكبرى لفرض ترتيبات إقليمية من الخارج، قد تعيد إنتاج مشاريع التفكيك وإعادة الرسم التي عرفها الشرق الأوسط مرارًا تحت مسميات مختلفة.
مؤتمر الرياض:
في هذا الوضع الإقليمي شديد الحساسية، تبرز أهمية مؤتمر الرياض القادم بوصفه محطة مفصلية لا تحتمل التأجيل أو المجاملة السياسية، فالأزمة اليمنية لم تعد ملفًا حدوديًا أو أمنيًا منفصلًا، بل أصبحت أحد أخطر عناصر استنزاف الاستقرار الخليجي، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، خصوصًا في مرحلة تتزامن مع ضغوط نفطية محتملة وأسعار مرشحة للانخفاض، واستمرار هذه الأزمة المفتوحة يعني مضاعفة كلفة أي صدمة اقتصادية مقبلة، وفتح ثغرة دائمة في خاصرة الخليج يمكن استغلالها ضمن صراعات النفوذ الإقليمية والدولية.
إن الالتفاف الجاد حول مؤتمر الرياض، والانخراط فيه بروح الحل لا بروح إدارة الأزمة، بات ضرورة استراتيجية لا تقبل التأجيل، فالحل الحاسم للأزمة اليمنية، القائم على تسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة اليمن وتُنهي حالة الاستنزاف، لم يعد خيارًا إنسانيًا أو أخلاقيًا فحسب، بل أصبح مصلحة أمن قومي خليجي مباشرة.. أي تأخير إضافي يمنح الأطراف الخارجية مساحة أوسع لتعقيد المشهد، وتحويل اليمن إلى ورقة ضغط دائمة تُستخدم كلما دعت الحاجة لإرباك الخليج أو ابتزازه سياسيًا واقتصاديًا.
نجاح مؤتمر الرياض في إنتاج حل واقعي ومستدام سيبعث برسالة واضحة إلى العالم بأن دول الخليج قادرة على إدارة أزماتها الإقليمية بنفسها، وبأنها ليست ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، كما أنه سيُسهم في تخفيف الطوق الجغرافي الضاغط، ويمنح دول الخليج مساحة تنفس أوسع للتفرغ لمعالجة تحدياتها الاقتصادية والاجتماعية في مرحلة عالمية مضطربة، وأما الفشل أو الاكتفاء بحلول شكلية فسيُبقي الأزمة مفتوحة، ويجعل كلفتها أعلى في لحظة تاريخية لا تحتمل مزيدًا من النزيف.
على المستوى الإقليمي: يظل الحفاظ على دور فاعل داخل منظمة أوبك ضرورة استراتيجية، ليس للدفاع عن سعر محدد، بل لمنع الفوضى في السوق العالمية، فالنفط الرخيص قد يخدم بعض الدول الصناعية مؤقتًا، لكنه على المدى المتوسط يخلق اختلالات حادة تعيد الأسعار للارتفاع بشكل أكثر عنفًا، وهو ما لا يخدم الاستقرار العالمي ولا مصالح المنتجين ولا المستهلكين على حد سواء.
نحن أمام مرحلة لا يكفي فيها انتظار ما ستفعله القوى الكبرى، بل تتطلب استعدادًا واعيًا لأسوأ السيناريوهات بعقل بارد ورؤية بعيدة، فالنفط قد ينخفض سعره، وقد تُدار أسواقه بأساليب أكثر عدوانية، لكن الدول التي تمتلك مؤسسات قوية، واقتصادات متنوعة، وصناعات متقدمة، ومجتمعات متماسكة، قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص.
التاريخ لا يرحم الاقتصادات التي تعيش على مورد واحد، ومساره لا يتغير بالحظ أو التمنّي، بل تصنعه الدول التي تُحسن قراءة التحولات وتختار التغيير بإرادتها، قرارًا شجاعًا ورؤية بعيدة، قبل أن يُفرض عليها بالقوة، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الخليج في السنوات القادمة.