مقالات وبحوث

الخليج ورهان المستقبل – حجر الميزان بين الشرق والغرب

بقلم: نايف المهنا العدواني

يشهد العالم اليوم مرحلة تحوّل استراتيجي غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة. الهوة بين الشرق والغرب تتسع يومًا بعد يوم، حيث تقف الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب الأوروبي في جبهة واحدة، بينما تصعد الصين وروسيا والهند كقوى كبرى تنافس على إعادة تشكيل النظام الدولي. في خضم هذا الصراع، يقف الخليج العربي حجر الميزان أو القبان، بما يملكه من ثقل مالي واقتصادي وجيوسياسي، قادر على ترجيح كفة هذا المعسكر أو ذاك.

الخليج مركز الثقل العالمي

الخليج ليس مجرد منطقة نفط وغاز، بل هو:

1. قوة اقتصادية: يمتلك صناديق سيادية تتجاوز قيمتها التريليونات.

2. ممرات استراتيجية: تحكمه أهم طرق التجارة والطاقة العالمية.

3. ثروة بشرية شابة: يمكن تحويلها إلى قوة إنتاجية وعسكرية.

4. موقع جيوسياسي: يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، ما يجعله محوريًا في مبادرة الحزام والطريق الصينية.

التناقض الخليجي – بين القوة والصمت

رغم هذه المزايا، يعيش الخليج تناقضًا صارخًا:

– الغرب يستغله كخزان للنفط والمال.

– الشرق يفتح له أبواب التحالف والشراكة.

– ومع ذلك، يبقى الموقف الخليجي في كثير من الأحيان متفرجًا أو تابعًا.

هذا الصمت يضعف مكانته، ويجعله مهددًا بأن يكون ساحة صراع بدل أن يكون فاعلًا في الصراع.

دروس من إيران وتركيا

إيران: ورغم العقوبات والحصار، أظهرت أن امتلاك الإرادة والسلاح الوطني يمكن أن يغيّر قواعد اللعبة. 12 يومًا من الصواريخ أنهكت إسرائيل وأوقفتها.

تركيا: تعمل بوضوح على إعادة بناء جيشها وصناعاتها الدفاعية، لتكون قوة إقليمية قادرة على التأثير.

هذان النموذجان يقدمان رسالة مباشرة للخليج: لا مكان للضعف أو الاتكال على الحماية الخارجية.

الخليج حجر الميزان

الخليج يستطيع أن يكون القبان الذي يرجّح كفة الصراع:

– إذا مال نحو الغرب، ستستمر الهيمنة الأمريكية – الأوروبية.

– وإذا انفتح على الشرق (الصين، روسيا، الهند)، يمكنه بناء تحالف استراتيجي يكسر احتكار القوة الغربية.

– وإذا اختار توحيد العرب والمسلمين، سيصبح لاعبًا مستقلًا يفرض شروطه على الطرفين.

أسئلة المرحلة

– هل يمكن توحيد العرب والمسلمين على كلمة سواء؟

– هل نستطيع تأسيس تحالف سياسي – اقتصادي – عسكري يحقق لنا استقلال القرار؟

– هل يمكن أن نستخدم ذكاءنا السياسي ودهاءنا التاريخي لنرجّح كفة الميزان لصالحنا؟

– أم سنظل رهائن للصراع، يُستخدم نفطنا ومالنا كأدوات بينما نُقصى عن صياغة المستقبل؟

طريق المستقبل

1. توحيد الصف الخليجي عبر إنشاء جيش خليجي موحد.

2. الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لبناء قوة عسكرية متطورة.

3. تنويع مصادر التسليح بالاتجاه نحو الصين وروسيا والهند.

4. التحالف مع الشرق من خلال البريكس ومنظمة شنغهاي.

5. قيادة سياسية واعية تستثمر الصراع لصالح الخليج.

خاتمة

الخليج يقف اليوم أمام رهان مصيري: إما أن يكون القوة المرجّحة وصانع التوازن في النظام العالمي الجديد، أو أن يبقى مجرد ساحة صراع بين القوى الكبرى.

التاريخ علّمنا أن الأمم التي لا تملك قرارها تُستهلك حتى تنتهي، وأن الأمم التي تستثمر قوتها تصبح قائدة.

إننا أمام لحظة فاصلة:

– إما أن نصحو ونتحد ونقود.

– أو أن نبقى غافلين، حتى ينطبق علينا المثل: “أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض”.

زر الذهاب إلى الأعلى